تلك اللحظة التي سارع فيها بنيامين نتنياهو أمس إلى إغلاق الميكروفون الذي نقل لمسامع صحفيين من "الجلسة المغلقة" ما كان يتفوّه فيه لرؤساء دول شرق أوروبية، هي أشبه باللحظة التي يعيد فيها لصّ القناع الى وجهه، بعد ان سقط عنه دون علم ولا رغبة منه. اعترافه، الذي يبدو أنه جاء خلال مفاخرة متغطرسة، بشن "عشرات وعشرات" الهجمات العدوانية داخل الأرض السورية (شمال الجولان السوري المحتلّ!) يعيد موضعة هذا السياسي وسياسته؛ فهو لم يهاجم تكفيريي داعش أو جبهة النصرة وأشباههما المجرمين الكثُر على أرض الشام، لا بالمرة، فجنرالات جيشه قالوها بصراحة: إن هؤلاء لا يهاجمون الجيش الاسرائيلي ويولون له ظهورهم لشدة شعورهم بالأمان معه.
ليس فقط أن هؤلاء لم يتعرضوا "لعشرات وعشرات" الهجمات الاسرائيلية، بل تم (ويتواصل) استقدامهم للعلاج المرفّه في مستشفيات اسرائيل. يجب تسمية الأمور باسمها: إذا كانت هناك جهة تتكل عليك وتثق بك وتدير ظهرها لك وتحظى بدعمك، فهي بمثابة حليف لك! هذا هو وضع اسرائيل الرسمية وعصابات الارهاب – إنهم حلفاء. عادة ما يتحدث التبريريون عن "التقاء المصالح" كذريعة تخفيفية.. كأنهم يزعمون: المسألة ليست تحالف بل مجرد التقاء مصالح! ولكن على ماذا تتحالف الجهات والأطراف المختلفة إن لم يكن على المصالح؟ وحين تلتقي المصالح ألا يعني الأمر أن أصحابها يلتقون كحلفاء؟ يجب تمزيق هذه السواتر الديماغوغية.. يجب على المستمع والمشاهد ان يرفض استغباءه!
وبالمناسبة، تلك السواتر نجدها في مواقع ومفاصل اخرى. سبق أن أشرنا هنا الى بعضها، مثلا: تلك الجهات والحركات والشخصيات العربية والفلسطينية التي لا تجد أية غضاضة في لقاء وأحيانًا مصادقة بل خدمة الحكّام العرب من أتباع الولايات المتحدة الأمريكية الرسمية.. أي راعية الاحتلال الاسرائيلي رقم (1).. فكيف تتفق المواقف "الصلبة" ضد الاحتلال الاسرائيلي وجرائمه مع "الخفّة غير المحتملة" في الاستلقاء داخل حظائر أتباع راعي الاحتلال رقم (1)؟! ألا يساعد "المنطق" هؤلاء على تحسس التناقض (والنفاق!)؟
لقد شن بنيامين نتنياهو في كلامه الذي تسرّب دون علمه هجومًا على الاتحاد الاوروبي متذمرًا من انه يضع شروطًا على كل تعاون. تلك الشروط متعلقة بموقف الاتحاد الاوروبي (الناقص جدًا وفقًا لرؤيتنا) من مسائل الاحتلال والاستيطان والتفاوض مع الشعب الفلسطيني. فهذا اليميني المتطرف يريد بصلافة ووقاحة وحماقة من العالم ان "يبصم" على عقيدته الايديولوجية المتعصبة ويسمي من يعارض جرائم الحرب التي تقترفها حكومته بمن يملي "الشروط"!
إن من واجب الفلسطيني الملتزم بقضيته والعربي المناصر لشقيقه اتخاذ الموقف الحاسم الحازم ضد الاحتلال وجرائمه وراعيته وخدمها! هذا هو مفصل الجدل السياسي الحقيقي!
