لقد تربيت على يدي والديّ وشيخي، تربية إسلامية شفافة ليس فيها من الرياء ولا التملّق ولا النفاق ولا التشدق، ولا حتى تسفيرا للوجوه مهما كان الخلاف في وجهات النظر والرأي بيني وبين الآخرين، فكنت أعتبر أي نقدٌ صادر مني سواء فرديا أو جماعيا، نقدا بناء من باب النصيحة. والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا (أن الدين النصيحة) ليعيد أصحاب هذه الآراء الذين نختلف معهم في الرأي إلى صوابهم وعقلانيتهم، ولعلي قد أكون قد أفلحت بأن أعدتهم إلى جادة الصواب، وليس نقدي لهؤلاء الناس من باب الحقد والبغض والكره لأني تعلمت من رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) فما بالكم عندما يكون هذا الرجل، الرجل الأول في أكبر دولة عربية، قادت الأمة قرونا من الزمن في السلم والحرب، ولا تنسوا وصية رسولنا الكريم لهذا البلد (استوصوا بأهل مصر خيرا فإن جندها خير أجناد الأرض) ولم يفرق رسولنا الكريم بين سكانها ومواطنيها، فشملت هذه الوصية كل أهل مصر مسلمين وأقباطا، لم يميز النبي الكريم بين هذا وذاك ولا أهل هذا الدين أو أهل ذاك الدين بل كان الحديث جامعا شاملا وهذا عين العدل والحكمة. وقد عمل الإخوان المسلمون بكل كدّ وجد على مدار أكثر من ثمانين عاما من أجل الوصول إلى سدة الحكم والسلطة، وفي النهاية وصلوا.
لم يكن الإخوان قد برمجوا لذلك أنه في عام 2011م ستكون ثورة في مصر وتبدأ في تونس أولا، يفجرها بائع بسطة (أبو عزيزي) ليحرق نفسه احتجاجا على أوضاعه المالية والمعيشية، مع أن القتل أو الحرق أو الانتحار أو أي أذى يقوم به الإنسان سواء لنفسه أو لغيره يعتبر شرعا جرما وقتلا للنفس يعاقب عليها الشرع في الدنيا والآخرة لقوله عز وجل (من قتل نفسا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا). فقتل الشخص نفسه وحرقها فذلك قتل مهما كانت الدوافع والأسباب، فكانت هذه الحادثة الشرارة لثورة عارمة وقع فيها العديد من الضحايا .
لقد كان الشعب التونسي يعاني من نظام زين العابدين بن علي، فهرب بن علي إلى السعودية التي استقبلته مع أمواله التي كانت في حوزته وهي أموال طائلة للشعب التونسي سرقها وهرب!
ودخل الإخوان على الخط مستغلين هذه الثورة لتحقيق مآربهم بقيادة الغنوشي الذي كان يعيش في فرنسا. وبما أن الإخوان منظمون جيدا برز نجمهم واستولوا على السلطة، بعد أن كانت هناك انتخابات رئاسية وبرلمانية وفازوا بها فجاءت هذه الانتخابات بقيادة الإخوان الذين كانوا يعيشون في المنفى وأكثرهم في فرنسا بالتحديد إلى تونس، وبما أن فرنسا احتضنتهم وروضتهم أرادوا أن يردوا لها الجميل فاشتركت فرنسا والغرب عموما في صياغة الحكم الجديد في تونس بقيادة الإخوان مع انها كانت هي التي ترعى حكم زين العابدين وتوجهه من قبل.
**اصدقاء عدوة العرب!*
نسي الإخوان أن فرنسا عدوة العرب والمسلمين وكل ما هو وطني وحر لأنها تاريخيا كانت كذلك وما زالت فهي التي أزهقت ملايين الأرواح من الشعوب العربية والإسلامية سواء في الجزائر أو سورية أو مصر، أو المغرب العربي الذي كانت تستعمره!
صارت فرنسا توجه سياسة الغنوشي، فأول عمل قامت به حكومته أن قطع علاقته مع سوريا وسحب السفير التونسي منها، فذلك على اثر الأحداث الجارية فيها ولم يكتفِ هذا الرجل وجماعته بهذا!! بل ذهب الى ابعد من ذلك، أن أتاح المجال للسلفيين التكفيريين أن يغرروا بالشباب التونسي، وتجنيدهم للقتال في سوريا وتدميرها وقتل أبناء الشعب السوري، وذلك بمساعدة المخابرات الفرنسية والغربية عموما التي كانت تمد هذه الجماعات التكفيرية بالمعلومات والمساعدات المالية، التي كانت تأتي من قطر والسعودية مباشرة برعاية تركيا!!
وصل الأمر عند هذه الجماعات التكفيرية حتى أن يفتوا بفتوى ما انزل الله بها من سلطان ولم تحصل على مدار التاريخ الإسلامي بتاتًا (جهاد المناكحة)! فبعثوا بالبنات والنساء إلى سورية لمن يسمونهم بالمجاهدين لإشباع غرائزهم، فكانت الفتوى أن تتزوج هذه الفتاة أو هذه المرأة من هذا المجاهد لساعات معينة ويطلقها وتتزوج من آخر بعد أن قضى الأول حاجته منها! ألا لعنة الله على الفاسقين.
فأستيقظ الشعب التونسي على هذه المصائب والمخازي وعلى هذه الفتاوى الباطلة الدخيلة على الإسلام والمسلمين وشرعه الحنيف.
*التكفيريون وسفك الدماء*
بدأ يفلت زمام الأمور من يد المسؤولين، فانتقل التكفيريون إلى طريقة القتل وسفك الدماء فكمن جماعة منهم للوطني التونسي المعروف شكري بلعيد، وأطلقوا عليه النار في عربته أمام منزلة وأردوه قتيلا!! فبدأ الإخوان بمراجعة الحساب وبدأ علماء تونس بالتصدي لكل هذه الفتاوى التكفيرية الممنهجة والمرسومة من قبل المخابرات الأجنبية وبعض الأنظمة العربية العميلة التي تقود هذا النهج والتصرف (لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله)، لتنتقل هذه العدوى الفتاكة إلى إخوان مصر بقيادة الدكتور مرسي الذي أثبت بالقطع انه ليس برئيس لكل مصر بل لجزء من مصر، الاخوان وحلفائهم من السلفيين التكفيريين.. وبما أن هذه الجماعات مرتبطة ارتباطا وثيقا مع اجهزة المخابرات الامريكية السي أي إيه والسعودية وقطر، وخاصة بعد أن تأكد هذا الخبر لقاء قادة الإخوان بهذه المخابرات في واشنطن واسطنبول برعاية تركيا والاتفاق على خطة جهنمية لإسقاط نظام الأسد وتدمير سورية وتقسيمها إلى دويلات وإمارات مذهبية وطائفية!! ويبدو أن الأوامر صدرت للشيخ مرسي ليقف أمام حشد من جمهوره ويعلن قطع العلاقات الدبلوماسية وسحب السفير من سورية وكأنه يعلن الحرب على الشعب السوري الشقيق، ليكون هذا القرار المدفوع الثمن وبالذات في هذا التوقيت، فسارع المتحدث باسم الجيش العربي المصري لإصدار بيان قوي وواضح أن الجيش المصري لن يدخل في أي حرب مع أي من الدول العربية الشقيقة وأن الجيش المصري قام وكان ويكون لحماية مصر وأمنها القومي حدودها.
أراد مرسي زج الجيش المصري في أتون الصراع القائم في سورية وهذا ما تريده أمريكا وإسرائيل بتحطيم الجيوش العربية وخاصة الجيش السوري والمصري، بعد أن نجحت من قبل في تحطيم الجيش العراقي وما نراه اليوم في العراق نتيجة ذلك.
لقد رد على قرار مرسي كل أحرار العالم وعلى رأسهم أحرار مصر، فاشتعلت المظاهرات والاحتجاجات لإسقاط مرسي ونظامه بعد هذا القرار المشين.
ويبدو أن صمود سورية جيشا وشعبا ونظاما أمام هذه المؤامرة الكونية واحراز الانتصارات للجيش السوري التي أفقدت الدكتور مرسي وعيه وصبره وكذلك جعل الإخوان والأصوليين يتخبطون في قراراتهم مما دفعهم للتصريح أنهم يريدون أن يجندوا أكثر من 12000 متطوع للذهاب إلى سورية لقتال الشعب السوري وتدمير سورية، وهذا يظهر مدى شراسة هذه القوى الظلامية ودمويتها الفتاكة بقطع الرؤوس وشق الصدور وذبح الناس ونحرهم على شاشات التلفاز (فقد صدق رسول الله صل الله عليه وسلم في الحديث الذي روي عنه في هذا الحديث حيث قال: سيظهر في آخر الزمن أحداث اناس يقولون بقول خير البرية إيمانهم لا يتعدى حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأين ما وجدتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم حلالا، والحديث الذي ورد عن مجيء المهدي عليه السلام سيكون الكون قد مُلئ ظلما وجورا، واني أرى أن الأمور في تصاعد وفي وتيرة عالية من المغالاة وزيادة في القتل!! وسفك الدماء!! وخراب القلوب!! وبعد الناس عن الدين الصحيح وصراعهم على الدنيا الفانية وعلى رأسهم الحركات الإسلامية المتطرفة والتكفيرية التي سلكت طريق القتل وسفك الدماء، وإزهاق الأرواح، ولم يتبعوا هذه الآيات (لا إكراه في الدين) (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) وقوله صلى الله عليه وسلم (ما من يوم يمر إلا والذي يليه أشر منه) وقوله صلى الله عليه وسلم (لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا وضحكتم كثيرا) وقوله صلى الله عليه وسلم (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء). والله ولي التوفيق.
