جورج حاوي الرمز الرابع بين رموز الحركة الطليعية في تاريخ لبنان الحديث

single

- 5-
" جورج حاوي هو  في تاريخ لبنان جزء مضيء فيه . وإضاءته ستظل راسخة في وعي اللبنانيين ،يساريين وديمقراطيين ووطنيين مهما اختلفت اتجاهاتهم ومعتقداتهم وأفكارهم ومشاريعهم للبنان . وهو بهذا المعنى ،مكمل رسالة ثلاثة من كبار الشخصيات التاريخية في الحزب الشيوعي ،..... " كريم مروة ص205 .


في هذه المقالة نصل إلى الشخصية التاريخية الرابعة من كبار الشخصيات الشيوعية الثورية في تاريخ لبنان الحديث ، وقد استعرضنا في مقالاتنا السابقة حيوات ومميزات كل قائد من القيادات الثلاث  السابقة والآن نستعرض بعضا مما كتبه مروة  عن القائد  الرابع ، وهو جورج حاوي ، وأسمح لنفسي هنا أن أقول انني التقيت مع جورج حاوي في العام 1979 من خلال كتاب صدر له عن دار الفارابي في بيروت التي نهجت على إصدار الكتب التقدمية،  في كتاب احتوى على مجموعة من الخطب والمقالات والمقابلات الصحفية خلال عامي 1977و1978م وكان في ذلك الوقت أمينا عاما مساعدا للجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني ، ونائبا لرئيس المجلس السياسي المركزي للأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية في لبنان ، قدم له سهيل طويلة .
ولكنني لن أتوقف الآن عند هذا الكتاب الذي مازلت أحتفظ به بل سأعود إلى كاتبنا كريم مروة وما كتبه عن شخصية هذا القائد .
يبرز الكاتب شخصية جورج حاوي الشاب المناضل منذ شبابه المبكر ، ويبرز ترقيته في الدرجات أو التدريج الحزبي وهو في سن الشباب ، ويبرز كذلك إعجاب نقولا الشاوي بشخصية جورج حاوي وتلاقي أفكارهما في أكثر من قضية داخلية وخارجية ، ولذلك يبدو ان نقولا الشاوي رغب في تجديد الحزب ورغب في أن يعطي نموذجا من خلال شخصه باستعداد القيادي الشيوعي إخلاء منصبه لجيل جديد ولرفيق جديد ولتجربة جديدة ، وبذلك يجدد في الحركة الشيوعية التي اتهمت في حينه بأن الزعيم يبقى حتى يموت ، بالإضافة لكل هذا ، فإن نقولا الشاوي كان مطمئنا ربما إلى أن فكره وبرنامجه سينجح من خلال هذه الشخصية ذلك أن " جورج ورفاقه كانوا يدركون ان ماركس إنما صاغ مشروعه في زمن تاريخي محدد ، وفي شروط ذلك الزمن المختلفة جوهريا عن شروط عصرنا .وكانوا يدركون ان التاريخ يتغير باستمرار وتتغير الشروط التي يتم فيها انتاج الجديد من الأفكار والأحداث والإنجازات العلمية . الأمر الذي جعلهم يستشرفون المستقبل ، ويدعون المنتمين إلى مشروعهم أن يأخذوا في الإعتبار المتغيرات القادمة وأن يتأقلموا معها ." الكتاب ص144 .

* لمحة عن حياته الأولى :

ولد جورج حاوي في عام 1938م في بلدة " بتغرين " المواجهة لجبل صنين في قلب لبنان ، وكان والده بناء . وكان في مهنته تلك يكمل بذلك سيرة الآباء والأجداد" ص145 . ، وكانت تلك فترة "الحرف والحرفيين " فالكثير من الآباء كانوا يورثون أبناءهم مهنتهم وبذلك يكون عادة وضعهم أفضل من غيرهم ممن لا يملكون صنعة أو حرفة ، وقيل في أمثالنا الشعبية " صاحب صنعة مالك قلعة " ، ولم يختلف الوضع في المدينة والقرية الفلسطينية في تلك الأيام فكنت تجد أن الحراث يعلم ابنه الحراثة ، والسباك " السمكري " يعلم ابنه السباكة ، وهكذا كنا نرى أن تلك الفترة كانت أيضا تجعل القضية الطبقية مقسمة بشكل واضح ومن الصعب الانتقال من طبقة لطبقة وحسب هذا المفهوم والوضع فابن الأمير أمير وابن القاضي قاضي وهكذا .
 
بدأ" جورج دراسته في مدرسة الراهبات في بلدته "بتغرين " . ثم انتقل إلى مدرسة ماريوحنا للرهبان في بلدة الخنشارة المجاورة لبتغرين . وفي هذه المدرسة أنهى  جورج دراسته التكميلية . فانتقل إلى بيروت لمتابعة المرحلة الثانوية من دراسته . وانتسب بعد إنهاء دراسته الثانوية إلى جامعة القديس يوسف اليسوعية في كلية الحقوق . لكنه لم يكمل دراسته إذ بقي في الجامعة عاما واحدا . "ص145.
ويصف الكاتب شخصية جورج حاوي أنها شخصية متمردة منذ الشباب المبكر وكان يخوض النقاشات ولنقرأ مروة يقول " وكان قد برز ،منذ شبابه الباكر في مدرسة مار يوحنا للرهبان ، كشاب متمرد على كل التقاليد والمعتقدات التي لم تقنع عقله ومنطق فهمه للأشياء والظاهرات . وقادته نقاشاته مع زملائه الطلاب حول تلك الأمور إلى شجارات  اضطر فيها مرة إلى أن يستخدم السكين دفاعا عن نفسه . فلوحق واضطر إلى الإختفاء في منزل خالة والده في بيروت ."ص145 .
ولذلك عندما بدأ يخوض النقاشات والمعارك السياسية الطلابية الشبابية كان اسمه قد سبقه ،" وقد انتسب للحزب الشيوعي في عام 1955م ، إي في سن السابعة عشرة من عمره ."ص146 .
صعد جورج في عام 1959م إلى مواقع مسؤولة في الحزب ، كقائد طلابي وشبابي . وسرعان ما أصبح عام 1961م شريكا لكريم مروة وعدد من الرفاق المسؤولين في الحزب في قيادة المنطقة الحزبية في بيروت وضواحيها الشمالية والجنوبية والشرقية كما يشير إلى ذلك الكاتب في ص146 .
وفي عام 1960م مثل الشبيبة مع كريم مروة ورياض بيضون في مؤتمر عالمي للطلاب في العاصمة العراقية بغداد ، وفي عام 1961م سافر إلى تشيلي لحضور مؤتمر عالمي للشباب ، ممثلا "إتحاد الشباب الدمقراطي اللبناني" ، وصادف العدوان الأمريكي على تشيلي فسافر مع عدد من المشاركين في المؤتمر إلى كوبا للتضامن مع الشعب الكوبي وقيادته الثورية ، وهناك قابل الثائر الكوبي تشي جيفارا وشاركه بعض الأعمال التطوعية .
وهكذا تابع نجم حاوي بالسطوع في سماء لبنان كقائد ثوري ، وأصبح بين القياديين الأربعة الأساسيين في منتصف الستينيات من القرن الماضي وهم كما يذكرهم الكاتب " نقولا شاوي الأمين العام للحزب ، حسن قريطم وآرتين ماديان ، وصوايا صوايا وكريم مروة وجورج حاوي " ص147 . 

 


* تشكيل جبهة الأحزاب الوطنية التقدمية

في العام 1966م تشكلت في لبنان جبهة الأحزاب الوطنية من ثلاثة أحزاب هي : الحزب الشيوعي اللبناني بزعامة نقولا الشاوي ، الحزب التقدمي الإشتراكي بزعامة كمال جنبلاط ، وحركة القوميين العرب بزعامة محسن إبراهيم ، وضمت كذلك ثلاث شخصيات هي : معروف سعد نائب صيدا ، الجنرال جميل لحود نائب جبل لبنان ، ووالده الدكتور فارس سعيد ، ومثل الحزب الشيوعي اللبناني في اللجان جورج حاوي ، كريم مروة ، جورج البطل .
في عام 1965م بعد انفصال الحزب الشيوعي اللبناني عن شقيقه السوري بشكل كامل ، كانت قوى عربية مختلفة تنادي بوحدة القوى الثورية العربية ، وكانت مجلة الطليعة المصرية برئاسة لطفي الخولي واحدة من المنابر الأساسية لهذه الدعوة ، وفي هذه الفترة كانت في لبنان دعوة مماثلة لوحدة قوى اليسار الإشتراكية ، ولكن هذا الحوار فشل لاختلاف وجهات النظر في كيفية إقامة هذا الإطار فقد كان رأي القوميين العرب أن يشكل " الإتحاد الإشتراكي فرع لبنان على غرار الاتحاد الاشتراكي  في مصر ، وكان جورج حاوي يقف بين الشيوعيين بالاتجاه الرامي إلى التوافق في حين برز محسن إبراهيم يدبج المقالات ضد الشيوعيين وكأنهم ضد الوحدة والتهرب من الفكرة في مقالاته في مجلة " الحرية " .
ومع أن جورج حاوي كان من أجل التعاون والوحدة إلا أنه وبوعي كان ضد زج الحزب" في مغامرة الدخول في تحولات غير ناضجة شروطها "ص149 .
ويصف كريم مروة الخلافات داخل القيادة الأساسية للحزب بين من يرغبون في البحث عن تعاون مع البرجوازية في الحكم ذات الميول الوطنية والميول ضد الاستعمار وبين التحالفات مع فئات اجتماعية ومع ما كان يسمى باليسار الجديد في حينه ( مثلت هذا اليسار في بلادنا الحركات التروتسكية ، ومتسبين على أقسامها المختلفة ، م.ص )
ويسرد المؤلف الصراعات والنقاشات داخل تيارين في الحزب يصف أحدهما بانهم " رهنوا مواقفهم بمواقف الإتحاد السوفييتي في كل ما يتصل بشؤون الحزب السياسية والفكرية والتنظيمية " ص154 ، وبين التيار أو المجموعة التي ترغب بالتجديد والتغيير ويعتقد المؤلف أن رائدي التغيير هما نقولا الشاوي وجورج حاوي ولذلك يعتبر نجاح جورج حاوي في تقلد قيادة الحزب وأمانته العامة هو بمثابة نجاح لهذا التيار عام 1979 م .
ولم يسمح جورج حاوي بأن يقطع علاقاته مع الإتحاد السوفيتي ،بل عاد من موقعه في قيادة الحزب إلى اعتبار الحزب الشيوعي السوفييتي زعيما للحركة الشيوعية العالمية ، في كل ما يتصل بالنضال ضد الإمبريالية ، وضد الحرب ومن أجل السلام في العالم ، وتعامل معه السوفييت "كواحد من أبرز القيادات في الحركة  الشيوعية العربية "ص155 .
ويعتقد المؤلف ان مآثر جورج حاوي الأساسية مع رفاقه هو بتحويل" المؤتمر الثالث (1972م) إلى منعطف في فكر الحزب ، فكر يقدم فهما جديدا متقدما للإشتراكية ولأفكار ماركس . "ص155 .

* صاحب المبادرة الأولى والأساسية للمقاومة ضد الإحتلال الإسرائيلي

في عام 1992م أثناء التحضير للمؤتمر السادس كان جورج حاوي من أطلق الموقف النقدي للصراعات اللبنانية وحتى موقف الحزب في الحرب الأهلية ، ولكنه أيضا صاحب المبادرة الأولى للمقاومة الوطنية ضد الإحتلال الإسرائيلي للبنان ويورد المؤلف البيان الأول الممهور بتوقيع جورج حاوي ومحسن إبراهيم يوم 16 أيلول 1982م والذي جاء فيه " أيها اللبنانيون
إن واجب الدفاع عن الوطن هو أقدس واجب . إن شرف القتال ضد المحتل هو الشرف الحقيقي الذي ينبغي لكل وطني أن يفاخر به .
فلتنتظم صفوف اللبنانيين كافة ، وبغض النظر عن انتماءاتهم السابقة وعن الاختلافات الأيديولوجية والطائفية والطبقية ، في جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي كسرا للقيد الذي تحاول أن تفرضه اليوم أمريكا وإسرائيل على عنق شعبنا الحر ورفعا لراية التحرر الحقيقي لشعبنا العظيم . " ص164 .
ولكن جورج حاوي اغتيل اغتيالا كشخصية لبنانية مرموقة ، وكقائد لحزب ثوري وكمن تعاون مع كل القوى التي تحب الوطن وتريد الدفاع عن الوطن ويقول المؤلف ان جورج حاوي كان في الأعوام الأخيرة من حياته " مهموما بمصير الحزب الشيوعي اللبناني الذي كانت أزمته تبلغ ذروتها . وكان مهموما بوضع اليسار عموما . لكنه كان يتنقل من مكان إلى آخر ، ومن زيارة إلى قياديين في الأحزاب والتكتلات من الإتجاهات كلها ، لإيجاد صيغة توافقية تحمي البلاد من خطر الفوضى ، بعد اغتيال الرئيس الحريري وخروج القوات السورية من لبنان ، كان جورج يسعى ، في ما يشبه الحلم أو الوهم ، لتشكيل تيار سياسي يضم قوى دمقراطية ويسارية من تيارات مختلفة ، تيار يشكل أملا ، ولو بعيد المنال ، لمستقبل لبنان الذي أنهكته الصراعات ، والانقسامات الطائفية وحروب الآخرين على أرضه " ص183 .

إشارة : 
مروة كريم (2009 ) ، الشيوعيون الأربعة الكبار في تاريخ لبنان الحديث ، فؤاد الشمالي ، فرج الله الحلو نقولا الشاوي جورج حاوي ، إصدار دار الساقي ، بيروت لبنان .

* ملاحظات :

1-أشير إلى الشكر الجزيل لجميع الرفاق الذين اتصلوا يثنون على هذه المراجعة شخصيا أو هاتفيا أو عبر البريد الألكتروني .
2- لجواب القراء كيف يمكن الحصول على الكتاب ، أظنني اشتريته من حانوت لبيع الكتب في الناصرة .
3- حول استشهاد الرفيق فرج الله الحلو استشهد في سوريا زمن الوحدة مع مصر ، ولم أشأ الدخول في هذه القضية لأنها ليست قضية الكتاب أو قضيتنا الآن ، ولكن من المهم البحث التاريخي الرصين والعلمي لإثبات حقيقة تاريخية للأجيال ، أعطى المؤلف القضية أكثر مما تحدثت عنها أنا طبعا .ويمكن لمن يرغب العودة للكتاب ، ومن المهم قراءة مصادر أخرى .
4- وحول سؤال "سام " بالعبرية بعد المقال الأول حول فؤاد الشمالي وما هو الإستنتاج ؟ سؤالي من ماذا الإستنتاج من حياته فهي حياة مبدئي حافلة بالتضحيات وكذلك بالمواقف الصادقة ، بعودته وبقائه في الحزب رغم ظلمه من ذوي القربى ( رفاقه ) وهي أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند كما يقول الشاعر ، هذه أيضا بطولة وتحتاج إلى تسام كبير ، في سبيل قوة القناعة بالطريق الفكري والسياس للقائد فؤاد الشمالي .
5- أشكر موقع " حزب الشعب الفلسطيني الذي نشر المقالة الأولى ، ولا أدري ما هي اسباب توقفه عن نشر بقية الأقسام ، وكذلك موقع " الحوار المتمدن " الذي كما علمت نشر أيضا القسم الأول فقط ، وكلهم أخذوه عن موقع الجبهة كما أشاروا .

 


( عرعرة – المثلث )

قد يهمّكم أيضا..
featured

رسالتنا جميعا، ومسؤوليتنا جميعًا!

featured

نضال بدارنة وفيلمه "30 آذار" في الجزائر ولبنان ومصر

featured

حين يبصبص الذيل بكلبه

featured

توتّر أميركي صيني

featured

ماذا بقي من حزب العمل؟

featured

المقاطعة تتصاعد أمام الجرائم الاسرائيلية!

featured

"ألاتحاد" وأعيادها

featured

كان باسل ابراهيم الأخير الذي ظلّ واقفا، فقتله الجنود