كان باسل ابراهيم الأخير الذي ظلّ واقفا، فقتله الجنود

single

 *عندما بدأ إطلاق النار، انبطح على الأرض الشباب المقنّعون الذين ألقَوْا الحجارة . وكذلك الإعلامي المتمرّس في المواجهات اتخذ له ملاذا. فقط باسل ابراهيم، خرج من بيته بالشبشب ليرى ما يجري، لم ينحنِ في الوقت المناسب*



\\ترجمة: أمين خير الدين
صعد جنديان من جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى التلّة المقابلة لبيته وصوّبوا بنادقهم عن بُعْد 200 متر باتجاه الشباب المقنّعين الذين ألقوْا الحجارة على الجنود  البعيدين عند أسفل الشارع، بالقرب من محطّة الوقود التابعة لأبي خليل والموجودة عند مدخل عناتا. كان عدد المقنعين حسب الشهادات حوالي عشرة، اتخذوا لهم ملاذا خلف الجدار الحجري لمصنع "شايش وغرانيت  اليمني" المبنى الأخير في عناتا  بالقرب من جدار الفصل الملتوي عند آخر القرية.
الإعلامي المحلي محمود عليان، جاء أيضا ليوثق ما يجري قد اتّخذ له ملاذا خلف الجدار الحجري. فقط باسل إبراهيم، العامل في مخزن الخردة ابن  أل- 29 سنة، خرج من بيته القريب على ما يبدو ليرى ما يجري، ظل واقفا مكشوفا مقابل الجنود. لم يتردد الجنود لحظة  فأطلقوا النار عليه. رصاصة واحدة دخلت خاصرته وخرجت من صدره، مزّقت أعضاءه الباطنيّة. انفجر الدم من فمه وسقط على الأرض المغطّاة بفتافيت الشايش المتناثرة من منشار الحجر.
  الآن تزقزق العصافير بصمت في أقفاصها، في بيت إبراهيم، على بُعد أمتار من مكان مقتله، البيت فارغ. فقط أرملته، داليا،  وابنهما ابن الأربع سنوات، آدم، موجودون بعيدا من هنا مع عائلتها، في مخيّم جنين للاجئين. دُفِن إبراهيم في المقبرة المحليّة، فقط عصفور صغير يكسر صمت الموت المخيِّم في البيت الموحش.
     تقيم أمّه الثاكل في الطابق العلوي. هناء، إبنة  أل- 60 عاما. توفي رب العائلة قبل عشر سنوات نتيجة مرض. منزل ابنها جديد ومشِع. فيه غرفة للضيوف، غرفة نوم،  وغرفة للعصافير: مليئة بأقفاص الطيور المغرّدة النشيطة. وصور لآدم الصغير ملْصَقَة على الحيطان، بين الأقفاص الكثيرة.
 قبل شهور انفصل الزوجان وعادت داليا إلى بيت والديها في جنين. سبب الانفصال رغبة إبراهيم بالزواج من زوجة ثانية،  قريبته من عناتا، وقد خطط لحفلة الزفاف التي كانت ستقام قريبا. ومنذ انفصاله عن زوجته كان يسافر كل آخر  أسبوع، إلى مخيَّم جنين، يأخذ آدم ليبقى معه من الخميس إلى السبت.
     وهكذا كان آخر الأسبوع قبل أسبوعين. يوم الخميس ، 14 ديسمبر، جاء بابنه آدم إلى بيته. وفي اليوم التالي، يوم الجمعة، قُتِل بالقرب من بيته. كان آدم الصغير في تلك الساعة داخل البيت، مع جدّته. لم ير أباه وهو يسقط مضرّجا بدمه على باب  منشرة الشايش خلف بيتهم.


*تأُخِّرَت سيارة الإسعاف


 يوم الجمعة قبل أسبوعين استيقظ إبراهيم  في الصباح وذهب لزيارة خالته، أخت أمّه، كان معه ابنه. بعد ذلك ذهب للصلاة في المسجد، عاد إلى البيت عند الظهر. بدأت المواجهات في الخارج، حوالي الرابعة إلا ربع خرج ثانية من البيت، طلب من أمّه أن تهتم بابنه الصغير وأن لا تدعه يخرج من البيت. أخوه هشام، 43 سنة، يقول إن باسل ذهب ليحضر الشاي لزملائه في مصنع الشايش، الموجود خلف بيته، كان هشام في ذلك الوقت في حفل زفاف في البلدة، اتصل به صديقه بعد وقت قصير وأخبره أن أخاه  قد أُصيب إصابة خطيرة  من إطلاق النار.
 عندما وصل إبراهيم إلى المصنع كانت المواجهات مستمرة. وصل الإعلامي عليان بسيارته والتقى مع إبراهيم الذي كان صديقه. أوقف عليان سيارته على بُعْد عشرات الأمتار كي لا تُصاب من اطلاق النيران أو من الحجارة. في الشهادة التي أدلى بها  للمحقّق من قِبَل بتسيلم، عامر عروري، قال عليان إنه وقف مع إبراهيم  في البداية على بُعْد 300 متر من ساحة  المواجهات. بعد ذلك تراجع  الشباب وصعدوا باتجاه مصنع الشايش، وحتى تجمّعوا حول عليان وإبراهيم، عند مَدْخَل المصنع."لم تكن المواجهات عنيفة"، قال عليان بشهادته، "كان عدد المشتركين قليلا، حوالي 18 مقنّعا. كان يمْكِن تفريقهم بواسطة قنابل الغاز والقنابل الارتجاجيّة. لكن جنود الاحتلال استعملوا الرصاص الحي".
 وفجأة رأى عليان جنديين يصعدان إلى التلة المقابلة للمصنع، على بُعْد  حوالي 200 مترا من مكان وقوفهما. "صوبا سلاحهما باتجاه المكان الذي وقفنا به وعندئذ سمعتُ صوتا، كشيء ضرب  بالحائط، بدا لي كصوت الرصاص"، يقول عليان: "اختبأنا أنا والشباب المقنعين خلف السور. باسل الوحيد الذي لم يختبئ. بعد ذلك أطلقت النار بشكل مكثّف. عندما سمع باسل صوت إطلاق النار انحنى إلى الأسفل ليتفادى، وعندئذ رأيته يسقط على صدره. حاول النهوض فلم ينجح. وقع ثانية. تقدمت نحوه مع اثنين من المقنّعين وحملناه باتجاه السيارة التي كانت على بُعد 30 مترا. توقف إطلاق النار بعد أن أُصيب باسل".
  عندما أدخلناه إلى السيارة بدأ يتقيأ دما. قال لعليان أيضا: "ابني  بمسؤوليتكم" ولم يقل أكثر من ذلك. أخذوه إلى مستوصف "الإيمان" في عناتا.  حاول الطاقم الطبي إحياءه وإيقاف الدم المتفجر من ثقب في صدره بواسطة إغلاقه. تأخرت سيارة الإسعاف الفلسطينية  حوالي 20 دقيقة بسبب المواجهات في عناتا وقلنديه. حاليا وصل إلى المستوصف أخو باسل، هشام. وبناء على أقواله، رأى أخاه مُلْقًى وفاقدا للوعي، ورأى ثقبا بصدره والأطباء يعملون لإحيائه.
عندما وصلت سيارة الإسعاف الفلسطينية اقترح المضمد أن يقوم عليان بنقل الجريح بسيارته، لأن الجنود على الحاجز يعيقون سيارة الإسعاف، هذا ما قاله عليان. لكن الأطباء في المستوصف لم يوافقوا أن ينقل إبراهيم بغير سيارة طبيّة، نظرا لخطورة حالته. حاولت سيارة الهلال الأحمر نقل إبراهيم إلى مستشفى المقاصد في القدس الشرقية لأنه أقرب من المستشفى الحكومي في رام الله- سبع كيلومترات إلى المقاصد، بينما 28 كم إلى المستشفى في رام الله.
عند حاجز حِزما أوقف حُرّاس وجنود إسرائيليون سيّارة الإسعاف. وبعد أن فحصوا ورأوا  ما بها  ورأوا الجريح النازف  والفاقد لوعيه، رفضوا السماح لها بمتابعة طريقها إلى المستشفى في شرقي القدس. فاضطرت سيارة الإسعاف بلا مناص إلى العودة من حيث جاءت وسافرت إلى رام الله. لم يكن واضحا إذا كان إبراهيم لا زال على قيد الحياة في تلك المرحلة. وصلوا إلى بوابة غرفة الطوارئ في رام الله قبل الخامسة بقليل من الدقائق. وهناك تقرر موته.


*توقّف مرتين


 ثلاثة جنود وجندية واحدة، مسلّحون ومدججون من الرأس حتى أخمص القدمين، وقفوا أيضا هذا الأسبوع على التلّة  المُطلّة على مدخل عناتا، وراقبوا  الداخلين والخارجين. عناتا مليئة بالسيارات الخردة واكوام القاذورات. وأيضا بيت إبراهيم يقع بين أكوام هياكل السيّارات.  
    اعتُقِل مرتين في الماضي لعدة شهور بتهمة إلقاء الحجارة ونشاط أخر في إطار تنظيم فتح الذي ينتمي إليه. أطلق سراحة قبل نهاية مدة اعتقاله الأول ضمن صفقة شاليط. واعْتُقِل ثانية  في السنة الماضية لعدّة شهور. بعد زواجه، هذا ما يقولونه في بيته، قرر أن يتوقّف عن نشاطه وأن يركز اهتمامه بعائلته – ومع ذلك أعتُقِل مرّة أخرى. الآن يجلس الرجال محزونين في بيت أمّه حدادا عليه. أقرباؤه وأصدقاؤه. ومعهم أحد سكان البلدة جمال فرّاج، ابنه وسام،  قُتِل في المواجهات قبل سنتين، في مخيَّم شعفاط القريب.
  "أراد الجيش الإسرائيلي عربيا ميّتا"، هذا ما يقوله عمّه أكثم حلو. العمّ الثاني، محمود حلو،  يقول إن "هذه الحكومة ليست حكومة يهود، إنما هي حكومة مستوطنين". ألعمّان مقتنعان أن الجنود قتلوا ابن أخيهم عمدا. ويقولون عندما اعتقل في المرة الأخيرة، سنة 2016، قال له الذين حققوا معه إنه في المرة القادمة سيقتلونه. وهذا دليل كافٍ لهم ليقتعوا أنه قُتِل عمدا.
     قُتِل باسل وهو ينتعل حذاءه البيتي، الذي انتعله عند خروجه من البيت. يظهر في صورته الأخيرة بشعر طويل، يصل إلى عنقه.
    قال الناطق بلسان جيش الاحتلال الإسرائيلي لجريدة "هآرتس" إنه بنفس اليوم، "بالقرب من قرية عناتا، قام حوالي 30 فلسطينيا بالإخلال بالنظام، تخلل ذلك عنف، وفي هذا الإطار أُحْرِقَت العجلات وأُلْقيت الحجارة باتجاه  قوّات جيش الدفاع الإسرائيلي. اضطرت هذه القوّات إلى الرد بوسائل مختلفة. ومن التحقيقات التي جرت لا يمكن البتّ أن الفلسطيني الذي قُتِل قد  قُتِلَ برصاص جيش الدفاع الإسرائيلي. ويُفْحَص الحاث الآن من قبل النيابة العسكريّة" وصرح أيضا إنه "بعكس ما يُقال، إن حاجز حزما بقي مفتوحا طيلة اليوم. ولا يُعْرَف شيء عن تأخير أيّ عامل طبيّ"
   سيارته الهوندا تقف مُيتّمة مقابل البيت. يفتخر أبناء عائلته بأنه كانت لديه سيّارة. لا أحد يبكي في هذا البيت. على جدار الفصل المقابل، هنا هو جدار من الإسمنت غير مرتفع، رمادي يثير الاكتئاب، مقابل قاعة الأفراح ومصنع الشايش، كتبت إيلونا من المانيا الشرقيّة سابقا، قصائد حُبّ  بالإنجليزية لشخص اسمه سامي وكتبت إيلانا أيضا بعض العبارات السيّاسيّة على شكل شعر. "فكّر خارج  الجدران، عندئذ  تكون البداية".
هآرتس
2017/12/29
  

قد يهمّكم أيضا..
featured

أَسوار الـتَّـوتُّـر تُـحيـط بنا!

featured

المطلوب رأس فتح؟

featured

ليس بالشعار وحده يحيا الإنسان

featured

سلامًا أيها الأحبّة في غزة

featured

الثابت – لا سلام مع الاستيطان!

featured

نشاطات وفعاليات كانون الأول للعام 2015

featured

انتفاضة أم هبة ؟

featured

شيوعي عريق - موسى حورى ابو الشربت