لا احد يصدق ان عبد الجبار مسعود وعبد الحق مسعود حملتهما بطن ريمة المسعود، ونزلا من رحمها كما تؤكد الداية ام مرزوق، لاشيء مشترك يجمع بينهما سوى انهما ابناء آمنة ومصطفي من عائلة المسعود، حتى ان فاتحة الكف"النورية" صبحة،حاولت التشكيك في شرف آمنة وانه يمكن ان تكون قد وقعت في الخطأ ضحية سفالة ضابط انجليزي، عندما كانت تعمل طبّاخة في "كامب السمارية"
قرب مدينة عكا، والا كيف يمكن تفسير ان عبد الجبار خلق اشقر بلون خبيصة الخروب وعبد الحق ولد اسمر قمحاويا بلون تراب وطنه الفلسطيني. اهل البلد لم يشتروا بضاعة النورية الفاسدة، فآمنة السعيد بمسلكها واخلاقها فوق كل الشبهات ولكن "الولد المشوم يجلب لاهله الحسبة والشتائم" كما يقول المثل. فعبد الجبار نشأ منذ صغره شرس الطباع، زفر اللسان عدواني يختلق المشاكل والطوش مع الاخرين، يعاكس الصبايا وعينه زايغة يلصلص على النسوان، لم يصمد في المدرسة اكثر من سنة، تركها بعد ان شتم الامام والخوري، في السادسة عشر من عمره، قبل النكبة بعامين اكتشف ثوار بلدنا والمنطقة ان عبد الجبار يعمل عميلاً وجاسوسًا عند الانجليز والصهاينة، ومن يومها اختفت آثاره من البلدة، وانتشرت شائعة انه تزوج سائحة اجنبية، وغير اسمه الى عوباديا جيبور.
اما عبد الحق مسعود، فقد شب على خلق يتدبر امور مارس الارض بالحرث والزرع والقلع، ويقوم بهم كرم الزيتون ورعاية الثور والبقرة والثلاث غنمات وتيس الماعز، ويكسب رضا والدته بعد ان سلّم والده الهوية وسافر الى رحاب الابدية، ومن يسير في الطريق القويم لا يعثر ويكسب محبة جميع الناس الشرفاء، وعرسه قبل النكبة بعام واحد كان حدثاً مميزًا حضره جميع اهالي البلد وعلى رأسهم الامام والخوري ومخاتير العائلات وعدد كبير من اهالي ميعار الذين رافقوا "الفاردة" التي احضرت العروس من ميعار الى البروة، يومها صال وجال الشاعر الحادي اسعد عطالله ابن البروة بمواويله واقواله التي تشرح القلب.
النكبة كانت بالنسبة لعبد الحق مسعود مأساة وطنية وشخصية ذاتية، فبعد ان اخرج ثوار البروة والمنطقة قوات الهجاناة الصهيونية من البلد في المرة الاولى، كان اهل البلد يفترشون ارض كروم زيتون الجارة شعب، عاد عبد الحق ليجد مناحة تحت الزيتونة التي افترشتها عائلته ، وجد زوجته قد قتلتها السكتة القلبية، وابنهما ناصر ابن الشهر وعدة ايام يصرخ في حضن اخته زينب، التي لها الفضل في تربيته وبعد هدم البروة خرج عبد الحق لا يملك شيئا سوى عزيزه ناصر ،فهمج الهجاناة سرق طرشه وهدموا بيته، وكعكر براكية من الزنك في جديدة، وبكد ذراعه، من شغل العمار عمّرغرفتين ومطبخ وحمامات وعلم ناصر حتى اصبح محاميًا مشهورًا، اراد ان يخطب له ويؤهله، فاصر
ابنه ان يعمر دارًا اولاً، قدم والده الخرائط المطلوبة للجنة البناء والتنظيم، جرجرت وماطلت خلال سنتين، وعند جهينة الخبر اليقين، اضطرعبد الحق ان يبني غرفتين وحمامات الى جانب بيته، اولاد الحلال اوصلوا الخبر بسرعة البرق الى لجنة التنظيم،التي بدورها قدمته للمحكمة، وحوكم بعشرين الف شاقل وبهدم الدار، وبعد انتهاء مدة الانذار جاءت قوات القمع والهدم السلطوية فتصدت لها الاهالي وصوت انم الفضل"يلعلع" يا سفلة من اين سيدفع لكم"البِس بطلع من بيته مكسور الخاطر لفقره، كل شقاء العمر حطو في العمرة يا مجرمين" هدموا البيت، وبهمة اهالي البلد والخيّرين في شعبنا اعيد بناء البيت، ودفع ما اقرته حكومة القهر القومي، وكانت المفاجأة التي خبأها ناصر عن والده ان سعيدة الحظ التي دخلت قلبه هي سناء ابنة عمه عبد الجبار، التي تعرف عليها في الجامعة اثناء مظاهرة طلابية ضد الفاشية والعنصرية، ونحن لن نعاقب الابناء بجرائم الاباء قال ناصر لوالده وتعانقا.
