* جوهر الخطاب الدستوري الإسرائيلي طوال العقود، يناقض ليس فقط مفاهيم ومعايير القانون الدولي بشأن المساواة وحماية حقوق الأقليات القومية، وإنما يناقض بنودا أساسية في قرار التقسيم*ليس فقط أن إسرائيل تواصل تنكّرها لحق الشعب العربي الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة على مساحة أقل بكثير مما حدّده قرار التقسيم، إنما تواصل أيضًا تنكّرها لحق المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل، في المساواة التامة، القومية والمدنية*
صادفت يوم الأربعاء من هذا الأسبوع، 29 تشرين الثاني 2017، الذكرى السبعون لقرار الأمم المتحدة التاريخي رقم 181، القاضي بإقامة دولتين مستقلتين على أرض فلسطين التاريخية. ومنذ سبعين عامًا حتى يومنا هذا لم تنشأ سوى دولة واحدة، دولة إسرائيل، على مساحة أكبر بكثير من المساحة التي حدّدها القرار، وأدى ذلك إلى سيطرة هذه الدولة عسكريًا على كل فلسطين التاريخية، بل أكثر من ذلك.
على هامش التقاطعات السياسية حول القضية الفلسطينية وتعثّر المشروع الوطني الفلسطيني، وفي ظل فشل الشرعية الدولية في تطبيق قراراتها الداعمة للحقوق الفلسطينية، من الأهمية التطرق الى جانب غالبًا ما يتم إغفاله في النقاش حول قرار التقسيم، وهو الجانب المتعلق بمكانة الأقلية العربية الفلسطينية في "الدولة العبرية"، حيث كان من المفترض أن تظل في حدود هذه الدولة أقلية عربية فلسطينية كبيرة في كل الأحوال.
وابدأ بخلاصة هذه المقالة: أن جوهر الخطاب الدستوري الإسرائيلي طوال العقود، والذي عبّرت عنه في السابق مشاريع الدستور المقترحة من طرف المؤسسة الإسرائيلية الرسمية ويعبّر عنه اليوم مقترح قانون القومية اليهودية، يناقض ليس فقط مفاهيم ومعايير القانون الدولي بشأن المساواة وحماية حقوق الأقليات القومية، وإنما يناقض بنود قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في العام 1947، والذي دعا كُلا من الدولتين العتيدتين، العربية والعبرية، إلى تبني "دستور ديمقراطي" يضمن المساواة التامة أمام القانون لكل المواطنين.
ينص القسم الأول من قرار التقسيم الذي يتعلّق بالدستور المستقبلي في كلتا الدولتين على ان "يصوغ الاجتماع المؤسِّس لكل دولة دستورًا ديمقراطيًّا للدولة"، بحيث على كل دستور أن يشمل بنودًا تضمن "الحقوق المتساوية لكل إنسان، دون التمييز في القضايا المدنية، الاقتصادية والدينية، وللاستفادة من الحقوق الإنسانية والحريات الأساسية، مثل حرية العبادة، اللغة، التعبير والنشر، التعليم، التجمّع والتنظم". ويأتي هذا بالإضافة إلى وجوب ان تتبنى كل دولة ما جاء في سائر فصول قرار التقسيم بخصوص "الأماكن المقدّسة" و"الحريات الدينية وحقوق الأقليات."
أما الفصل المتعلّق بحقوق الأقليات (الفصل 2 من القسم ج من قرار التقسيم)، فينصّ على أنّ "لا يُنتهج أي تمييز، من أي نوع، بين السكان على خلفية العرق، الدين، اللغة أو الجنس"، وأنّه "يحق لكل شخص في مجال نفوذ الدولة أن يحصل على الحماية المتساوية امام القانون". كما جاء بنفس الفصل، أنّ "على الحكومة أن تضمن التعليم الجماهيري والثانوي الكافي للأقليّات العربية واليهودية، ولكل شخص بلـُغته ووفقًا لتقاليد ثقافته"، وانّه "في الدولة اليهودية تمنح تسهيلات كافية للمواطنين الناطقين بالعربية لاستخدام لغتهم، شفهيًّا أو كتابيًّا، في المجلس التشريعي، في المحاكم أو في جهاز الحكم".
يشمل كتاب قوانين دولة إسرائيل اليوم العشرات من التشريعات التي تميّز بشكل مباشر بين المواطنين العرب واليهود، وتنتج هذه القوانين عمليًا نوعين من المواطنة: مواطنة من الدرجة الأولى يحملها اليهود، ومواطنة من الدرجة الثانية أو الثالثة يحملها المواطنون العرب. وذلك من خلال عشرات قوانين أساس وقوانين عادية. أي أنّ النظام القضائي الإسرائيلي برمّته يتناقض تناقضًا جوهريًا مع قاعدة الشرعية الدولية التي أقيمت بموجبها دولة إسرائيل عام 1948.
أما في جزئية مشروع الدستور المطروح اليوم من خلال قانون اساس القومية اليهودية، فان القانون يعمل على إرساء هذه التشريعات التمييزية بشكل دستوري، إذ تعكس مجمل الترتيبات الدستورية المقترحة في القانون تصنيفًا قوميًا أحادي الاتجاه، أي لصالح مجموعة الأغلبية فقط. هذا التصنيف يعكس الازدواجية المعيارية القائمة اليوم في علاقة القانون الدستوري الإسرائيلي مع المجموعتين القوميتين في الدولة: توجّه جماعي واضح، قوميًا ودينيًا، في تعامله مع الأغلبية اليهودية، مقابل توجّه فرداني ضيّق في علاقته بالمواطنين العرب ("غير اليهود"). هذا التوجه يؤسس لحالة من الاستعلائية ومن الفوقية القومية الرسمية.
قانون القومية يتصادم، اذا، وجهًا لوجه، مع الشرعية الدولية عمومًا، ومع قرار التقسيم على وجه الخصوص. فالتمييز في مشروع القانون غير مقصور على الجوانب الرمزية فقط مثل تعريف الدولة ورموزها، بل يتغلغل أيضًا الى مجالات ترتبط بصلب المكانة القانونية لكل مجموعة قومية: قضايا الهجرة والمواطنة، والأرض، واللغة، والثقافة، والتعليم، والدين، وغيرها. هذا التمييز المنهجي يخلق معادلات رسمية في المبنى الدستوري الأساسي للدولة تقوّض مكانة المواطنين العرب وتمس بحقوقهم الأساسية.
المبادئ الأساسية لقانون القومية تتناقض مع حقوق الإنسان الأساسية المتعلّقة بضمان المساواة وعدم التمييز وهي حقوق تكفلها معاهدات ومواثيق دولية تشكّل دولة إسرائيل طرفًا فيها، من ضمنها المعاهدة الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري من العام 1965؛ والمعاهدة الدولية للحقوق المدنية والسياسية من العام 1966؛ والمعاهدة الدولية للحقوق الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية من العام 1966؛ والمعاهدة الدولية لحقوق الطفل من العام 1989؛ وكذلك الإعلان العالمي بخصوص حقوق الأقليات من العام 1992، والإعلان العالمي بخصوص حقوق الشعوب الأصلية من العام 2007.
خلاصة القول: ليس فقط أن إسرائيل تواصل تنكّرها لحق الشعب العربي الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة على مساحة أقل بكثير مما حدّده قرار التقسيم، وتواصل تنكرها لحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة، إنما تواصل أيضًا تنكّرها لحق المواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل، الباقين على أرض آبائهم وأجدادهم، في المساواة التامة، المساواة القومية والمدنية – وكذلك بحسب قرار التقسيم.
