// قبل أقل من عام واحد، كُلفتُ برثاء المرحوم ابي الزاكي.مع اني اكره الرثاء والموت وأحبُ الحياة. واليوم جاء دور من كان يعزُ عليَّ جدا، وله في قلبي الكثير من المحبة والكثير من الأعجاب. ذلك هو طيب الذكر المرحوم يوسف محمد قاسم حسين أسدي، الذي تعلمتُ واياهُ في صف واحد وغرفة واحدة، من الصف الاول حتى الصف الثامن، في مدرسة البعنة الابتدائية أواخر الاربعينيات، وأوائل الخمسينيات.
لقد كان فقيدنا الراحل، أبو صالح يوسف محمد أسدي من المع طلاب صفه ذكاء، وانشطهم في جميع الدروس اليومية، والامتحانات الشهرية والفصلية، واكثرهم مواظبة. وهذا الكلام يؤكدهُ جميعُ زملائه الذين تواجدوا معه في نفس الصف.
كان المرحوم يطمح الالتحاق بالمدارس الثانوية، وبعدها الجامعية ليتخصص في قسم الرياضيات، وكي يكون معلما مخلصا، يؤدي واجبهُ كأحسن ما يكون الأداء، ويغرسَ في نفوس طلابه حبَّ هذا الموضوع الصعب ما وجدَ لذلك سبيلا. ولكن: " ما كل ما يتمنى المرءُ يدركهُ تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ "
كان الطريق الى الثانوية وما بعدها كثيرَ المطبات. جرب ازالتها فلم ينجح، انها تكلف الثمنَ غاليا. حاول مرات ومرات، التغلب عليها وفشل.
وما اصعب بعض النسور تحاول الطيران، لكنها لا تستطيع، لان اجنحتها مكسرة. لم يجد المرحوم بابا مفتوحا يدخلُ منه الى حقول امنياتهِ. حزن حزنا عميقا على ما قدر اللهُ له، ولكنه لم يقعد ولم يستسلم للكسل، وسلبياتهِ الموجعة والمدمرة. فكما كان مواظبا في المدرسة، كان كذلك في اشغاله واعماله. فاشتغل بالفلاحة والزراعة البسيطة، ولجأ للعمل بالمحاجر، وبناء الجدران الطليانية. واستعمل المحراث البلدي والمنكوش والشقوف والبانسة والكمبريصة. وانهدَ "حيلهُ" في تلك الورش والاشغال الشاقة المتعبة. ومن عرق جبينهِ تزوج، وانجب الابناء والبنات. ومن كدهِ وجدهِ حملَ نسلهُ الاقلام والشهادات الجامعية واوسمة الشرف. ومن ادارته الحكيمة في البيت تخرج وتسلم احد ابنائهِ شهادة المحاماة وتسلم الآخر شهادة طب الاسنان. وما تبقى من ابنائهِ فكلهم اصحاب مهن حُرة لا بأس بها.
ومما يثلج صدورنا ان بناتهِ الخمس معلمات، فيهنَّ مديرة مدرسة في قرية نحف. أجل كل ابنائهِ وبناتهِ على مستوى رفيع من الثقافة والعلم. وكلهم يحصدون ما زرع والدهم. وها هم ينوِّرون بخدماتهم مجتمعنا ووطننا على حد سواء.
فيا ليت رعاة امتنا العربية، عاملوا شعوبهم، واهتموا بها مثلما اهتم المرحوم، الذي نحنُ في وداعهِ الاخير، بكل فرد من افرادهِ. لو تجسدَ هذا الاهتمام في كل قطر عربي، لكان شرقُنا من اغنى وارقى الدول العظمى في العصر الحديث. وحينئذٍ لن يكون بامكان الدول الكبرى الهيمنة والقرصنة ونهب خيرات هذا الوطن العزيز. كما لن يكون بامكان أي قطيع من ثيران البشر احتلال اي المراعي من مراعينا الدسمة، والادعاء بملكيتها، وضمها لحظيرتهِ التي لا تقنع ولا تشبع.
هذا هو فقيدنا المرحوم أبو صالح يوسف محمد قاسم حسين أسدي. لعمري، لقد لبى امر الله تعالى كما وردَ في أول سورة نزلت في كتابهِ العزيز " إقرأ باسم ربكَ الذي خلق... إقرأ وربكَ الاكرم الذي علمَ بالقلم".
ولبى دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم "علموا اولادكم من المهد الى اللحد". واستجاب لذبذبات كل شبر من شرقنا، وكل نقطة ماء من بحارنا، وكل ممر مهم عندنا يفصل شرق الكرة الارضية عن غربها، هذه الذبذبات التي من غير شك تئنُ وتتلوى على شعوبنا الامية الجاهلة، التي يلعب بمصيرها الحكام العرب المنحرفون، والذين اهملوها واسترخصوها، وكان سهلا على المتربصين بشرقنا التدخل وزرع الازمات فيما بيننا، وبث روح الفتن والخلافات في اجوائنا وفي مقدساتنا.
كل الرحمات تتنزل عليك يا أبا صالح، والسلام عليك حيث مأواك مع الصالحين في جنان النعيم ورحمة الله وبركاتهُ.
(دير الاسد)
