كما في كل مرة، تشكل وتتشكل وتنطلق العلاقات الامريكية الاسرائيلية من قاعدة صلبة، ومن شبكة واسعة من المصالح السياسية والايديولوجية الرأسمالية والاقتصادية للقطب الواحد على اساس المصالح المتبادلة والمتعددة والمتشعبة. منها الآني ما يدور من احداث ومنها الاستراتيجي على مستوى العالم. هذه العلاقات أخذت بالتبلور والظهور في فترة نهاية الحرب العالمية الثانية وانحصار دور ومكانة الاستعمار البريطاني، وظهور وسيطرة الولايات المتحدة كأكبر دولة استعمارية في فترة ما بعد الحرب الكونية. ولقد نمت مع تأسيس واقامة محمية اسرائيل في سنة 1948، على انقاض وتشريد الشعب الفلسطيني والمستمر لغاية الآن. أخذت على عاتقها الولايات المتحدة بأن تحمي الولاية كمنطقة نفوذ لها في الشرق الأوسط باعتبار ان الكيان الجديد وحمايته بصورة دائمة، ما هو الا للتغطية على عدوانية حكام اسرائيل تجاه جيرانها العرب والشعب الفلسطيني خاصة، هذه العلاقة الامريكية – الاسرائيلية مبنية لخدمة المصالح الامريكية اولا، وثانيا تشكل قاعدة انطلاق ورصد ومراقبة واحباط أي تحركات شعبية تدعو للتحرر او الخروج عن التلم الامريكي.
الامبريالية الامريكية تظهر هذه العلاقة والتزامها بالدفاع عن أمن حكام اسرائيل بتسويق المقولة التي تتستر ورائها منذ ما يزيد عن نصف قرن. ان اسرائيل الدولة الحديثة تواجه خطر الفناء من جيرانها. فيما تلعب سياسة وبلطجية حكام اسرائيل الدور الاساس في تسخين اجواء المنطقة، لأنها دائما المبادرة لشن الحروب والاعتداءات اليومية وما يرافقها من سياسة قمع وتشريد واستيطان والتنكر للحقوق العربية الفلسطينية.
إن سياسة حكام اسرائيل تجاه شعب الضحية ومجمل الجيران العرب، هي السياسة الامريكية نفسها، فهي تنفذ بواسطة العصا الاسرائيلية، وهذه العصا تحظى بكل الدعم والحماية والرعاية والتمويل الكافي من جانب السيد الامريكي.
ان صفقة الطائرات الجديدة من نوع إف 35 الأكثر تطورًا في العالم، والتي تتسلمها اسرائيل على مدار الأربع سنوات القادمة، تعتبر من اكثر الصفقات المربحة في تاريخ وتطور العلاقات بين الحليفين، اذ تصل تكلفة الطائرة الواحدة حوالي (130) مليون دولار امريكي. هذا يؤكد مكانة وتطور ورسوخ ونوعية هذه العلاقات، ومكانة حكام اسرائيل ودور الصهيونية العالمية في المخططات الاستراتيجية للسياسة الكونية في خدمة المصالح الامريكية للسيطرة على العالم والشرق الاوسط بالذات. لن تعتبر سياسة اسرائيل بمثابة العصا والكرباج والمخالب الخلفية التي تحاول الولايات المتحدة استخدام خادمتها الامينة اسرائيل في محاولاتهم حسم الصراع، سواء كان سياسيًا او عسكريًا. من اجل السيطرة على المفاتيح الاقتصادية السياسية للرأسمالية ووحوش المال، بغية اقتسام العالم والسيطرة والتحكم بمصير الأمم والشعوب التي تعيش على سطح هذا الكوكب.
السؤال المحير، بعد اكثر من نصف قرن من نمو وتطور، ووصول هذه العلاقات "الخالدة" والمتبادلة بين حكام اسرائيل والالتزام الادبي والشرعي والعدواني، واطلاق الرسن لعدوانية اسرائيل على الشعوب العربية والشعب الفلسطيني خاصة، مع الولايات المتحدة، تجد ان العديد من الانظمة العربية، وبالذات اصحاب الفخامة والسمو امراء وملوك، اتباع السيد الامريكي في خليج العرب، ما زالوا يراهنون- ولو للتبرير- على الحل الامريكي لمشاكل المنطقة بالأمن والسلام والاستقرار والازدهار الاقتصادي وغيره. وقد تمسك القادة العرب، وما زالوا هكذا، ان امريكا تملك 99% من اوراق الحل، ولأن امريكا تملك هذه النسبة والقوة وهي تدير شؤون المنطقة معنى ذلك، ان ما تطبخه الولايات المتحدة لمستقبل المنطقة، ما على الانظمة والقادة العرب الا ان يأكلوه من غير لوم او عتاب. ولهذا فأن امريكا قادرة ان تضحي بكل العرب الذين على شاكلتها وسلموها الاوراق الثبوتية بـ 99% من الحل بأيديها.
مقابل ان تبقى يد حكام اسرائيل هي التي فوق الجميع، وهي الكرباج على رقاب الانظمة العربية. لدرجة ان حكام اسرائيل قادرون ان يفشلوا اية علاقة، وان يفسدوا اية اتفاقية وخاصة اتفاقيات شراء الاسلحة الامريكية. ما لم تتسلم اسرائيل السلاح الاكثر تطورا وان تكون القوة الوحيدة المتفوقة عسكريا وميدانيا من سلاح العرب الذي يجري اتباعه من الولايات المتحدة، ليس لمحاربة اسرائيل ولا لتحرير القدس واستعادة الشعب الفلسطيني لأرضه وحريته، وانما لمساعدة امريكا واسرائيل في تثبيت اقدامهم في السيطرة على خيرات وثروات وكنوز شعوب المنطقة عن طريق دعم منظمات الارهاب. وقمع كفاح الشعوب للتحرر من التبعية للملكية الامريكية والتحالف مع قادة اسرائيل والصهيونية العالمية. ان القاصي والداني يعرف تمام المعرفة ان اسرائيل الرسمية والشعبية تتنفس من الرئة الامريكية، وان بقاء وتطور وصمود اسرائيل وحراكها العدواني كأداة بين الامبريالية الامريكية هو نتيجة لارتباط حكام اسرائيل في خدمة المشاريع والاهداف العدوانية التي ترسمها الولايات المتحدة حول العالم وبالذات في الشرق الأوسط وتفتيت العالم العربي، ولأن اسرائيل هي اداة التنفيذ تجعلها تحظى بمكانة خاصة ومرموقة في سياسة البيت الابيض الامريكي.
السلام والاستقرار في الشرق الاوسط من وجهة النظر الامريكية والصهيونية مرهون بأمن اسرائيل أولا، وثانيا بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة، ولأن الاوضاع في العالم العربي غير مستقرة وغير مضمونة للمستقبل المنظور، تبقى سياسة اسرائيل واذنابها لخدمة السيد الامريكي واهدافه، قضية ثابتة ومحورية في سياسات حكومات اسرائيل منذ تأسيسها ولغاية الآن وفي المستقبل المنظور. من الخطأ القول والاعتقاد وكأن الولايات المتحدة هي طرف حيادي سعي لإصلاح الخصوم على مدار ما يزيد عن اكثر من نصف قرن، ولم يُنجز لغاية الآن. الحقيقة الواضحة كالشمس، ان الولايات المتحدة مع حكام اسرائيل يشكلون محور العداء والتحالف المشترك للتصدي لطموحات الشعوب وللشعب الفلسطيني بالذات وهم العقبة الاساسية امام حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال والتحرير الوطني. ان من ينحاز مع طرف ضد طرف آخر، ليس من حقه ممارسة دور المُصلح والاصلاح. امريكا ليل نهار تؤكد على ضمان أمن اسرائيل، وهي تقف الى جانب سياسة واعمال اسرائيل العدوانية والاجرامية بحق الشعب الفلسطيني . فهي لا تملك من المصداقية والعدالة والشرعية أي شيء، وبعيدة عن الاخلاق والمنطق، وكل ذلك على حساب العلاقة مع مجموع العالم العربي. فإسرائيل قائمة في قلب العالم العربي والشرق الأوسط، كدولة غير عربية اقامها الاستعمار في حينه، وهي تخدم قوى الاستعمار والامبريالية، من مصلحة الولايات المتحدة السياسية والطبقية والاقتصادية. ان ليس ان تحميها فقط، وانما ترى فيها اداة سخرتها بُغية العمل بصورة دائمة على تخريب وتغيير وضرب وخربطة أي تعاون او وحدة قوية وسياسة تقام ما بين العرب على امتداد الوطن العربي.
ان امريكا تستطيع ان تكذب لبعض الوقت وليس لكل الوقت، وعلى كل الناس والشعوب بانها معنية بالحل السلمي في الشرق الاوسط، وانها تؤيد قيام دولة فلسطينية. لقد مضى على هذه الاقوال زمن يجري فيه تغييرات لا تلائم الواقع الذي تعيشه، ان سياسة الواقع ان امريكا وحكام اسرائيل متفقين على عدم افساح المجال لقيام مثل هذه الدولة. ان ضعف العرب حاليا، لا يسمح الضغط على السياسة الامريكية لتعديل توجهاتها والالتفات نحو الحقوق العربية والفلسطينية. هذا الضعف شجع السياسة الامريكية وبلور خط التحالف والدعم لحكام اسرائيل بالاستمرار اكثر على رفضها لمطالب العرب والفلسطينيين وتهميش قضاياهم الوطنية التحررية، ان الاعتماد على الذات والقدرات العربية، وبناء تحالف عربي اقليمي اوسطي، ومد يد التعاون للدول والشعوب التي ترى في التيار الصهيوامريكية خطرا عليها. فالأخطار تزيد والنوايا لا تبعث على الأمل، ما لم يتم التصدي للخطر الداهم على منطقتنا وشعوبنا العربية.
(كويكات ابوسنان)
