منذ اكثر من عشرين سنة لم التق بصديقي حامد العمران ابن احدى قرى البطوف الا فيما ندر. ربط شغل العمار صحبة الصداقة فيما بيننا وبردت انفاسها تناقضات الموقف السياسي.
فقد التقيته بعد عقد من الفراق يتحدث "بالمخمّس مردود" قابضا على الوطنية من ذيل قفاها ويسبح في بحر المزاودة القومية وينصحني الابتعاد عن الحمر الذين لا دين ولا رب لهم!! قلت له صدقت فعلا يا ابن النكبة، فالحمر حقيقة لا دين لهم قائم على السجود في محراب مغتصِب حقوق شعبهم والتسبيح بحمد جرائمه، فرب القهر والظلم والتمييز والعنصرية لا يعبده الحمر بل يحاربونه، ولا بديل لرب الكون والعدل والانصاف.
يومها التقيت برفيق دربي ابو حمودي الميعاري الذي تربطه بحامد العمران قرابة نسب، حدثته بما جرى مع نسيبه من حديث. والميعاري حقاني "وما عنده لحية ممشطة" لا يوفر احدا في اعطائه ما يستحق، ضحك وقال "الظاهر انك لا تعرف حق المعرفة حامد العمران، اسأل على كم خازوق حزبي صار قاعد ومتنقل، كان متحزب في خدمة حزب صهيوني، بين ليلة وضحاها صار من انصار "فلسطينية الجذور والتمسح بالعلم الفلسطيني"، ارخى لحيته وسجد لراية "الاسلام هو الحل"، لم يصمد طويلا فحلق ذقنه وخلع الدشداشة عن جسده واتبع الخيل العربية المعلوفة في الحظيرة الصهيونية واخذ يهلل للعروبة وللمناسف العربية، يكفي ان تكون عربيا فهذا هو المبدأ الاساس وعلى الشعارات القومجية ما في ضرائب ولا عرق تضحية لتنفيذها ولا حسيب ولا رقيب للكذابين من مطلقيها. يا رفيقي العزيز، قال الميعاري، الساحة السياسية الحزبية اصبحت بيئتها ملوثة بالانتهازية النفعية، واصبحت الشخصنة البديل للمبادئ وللبنية التنظيمية وللعمل الجماعي. انا اعرف نسيبنا حامد العمران حق المعرفة، فهو من هذا الطراز المرذول، مسّيح جوخ، موَجْهَن، يتزلف لدى المسؤولين "يتمسكن حتى يتمكن" ويحقق مأربه فينفش ريشه مثل الديك الرومي، يعرض اكتافه ويعرّم صدره ويشمخ بأنفه متقمصا هيبة وشموخ اهالي ميعار، لكن ما فشر ان يشبه باهل بلدنا. هذا كان مسلك حامد العمران مع كل تنظيم يخترقه، يحلّس ويملّس ويبالغ في التأييد والدعوة وعندما يفشل في تحقيق هدفه يطلّق بالثلاثة هذا التنظيم ويفتش عن غيره. فمبدأ التعددية في اختيار البيت السياسي لدى حامد العمران لا يكلف أي ثمن سوى التخلي عن الكرامة الشخصية الانسانية وتقمص دور "بائعات الهوى" اللواتي قد نكون أهناهن بهذه المقارنة لانهن يقدمن الخدمة ويتنازلن عن الشرف اضطراريا ولظروف قاهرة، فهن اشرف بكثير من حامد العمران وامثاله. وللاسف الشديد ان حامد اصبح اليوم موظفا كبيرا وبعض امثاله وصل الى مقاعد البرلمان والى مستشاري موظفين لدى بعض الوزارات الصهيونية.
قلت يومها لصديقي الميعاري ان ازمة الاحزاب السياسية، خاصة الاحزاب الصهيونية، وكذلك الاحزاب العربية، ان مكانة التنظيم الحزبي في انخفاض وتدهور مقابل ارتفاع اسهم الفرد، القائد، الرئيس الزعيم، الامر الذي يبرز من خلال ارتفاع دور "الشخصنة" وكأن الشخص فوق التنظيم وكأن مصير التنظيم متوقف على مصير الشخص، فحزب الشخص الواحد المبني على مبادئ مهلهلة وغير واقعية وعلى شخصية الزعيم ليس مجرد شعار بل هو واقع مجرب، وكم من حزب شخصنة اختفى او على حافة الهاوية او ضعف من جراء غياب او اهتزاز او هروب الزعيم من ساحة المنافسة والكفاح. ولا يوجد أي حزب محصن من اختراق هذه الظاهرة التي تنتشر كداء الطاعون. فحذارِ من انفلونزا الشخصنة يا قلعتنا الكفاحية، يا حزبنا وجبهتنا وشبيبتنا ويا كل اشكال جبهات الكفاح القطرية الوطنية، فالعمل الجماعي قوة ويد الله مع الجماعة.
