قولوا ما شئتم فأنا متحيّزة لهذا الرّجل

single


*"..خلال يوم  واحد ألصقوا  بنا مانشيت الإرهاب، وأصبحنا جميعا "مُعلّمين" به، ومُشفّرين بأعلام داعش الّتي خلقوها هذين اليومين على مقاس وجعنا، ليداروا تجاوزاتهم الأخلاقيّة الكثيرة."*



 أصدّقُهُ قولا وعملا، ولأنّ قوتّهُ في بساطتهِ أحتارُ حين أصادفُهُ أو أسمعهُ. وأتضامن مع مواقفهِ الأولى والأخيرة. أنا الّتي التقت العديد من أصحاب المقامات، المقالات، والياقات. لا أصدّق الرّجال، وقليلا ما أفهم أسباب امتناعهم عن قول الحقيقة أمام امرأة، وهم على يقين أنّها تراها في أعينهم.
..والفرق، أنّ الحقائق الّتي يطلقها لا تتزيّف بمرور الوقت, تقف عند قلبها وتعترف، أمام جمهورٍ واسع. لا ترواغ مهما حُشِرت في زوايا الشّكوك. لا تتراجع إذا وعدت. ترى الصّغير والكبير بعين واحدة. وعليها يستحقّ شكرا دافئة، شكرا أبا الطيّب، لا نُجيدها دائما..
ليس القصدُ أن أخطبَ مُبجَّلة مزاياه، بل لأشمله في حادثة آلمتنا جميعا، حادثة أمّ الحيران، وما فاض بعدها، معهُ وعنهُ، فالأحداثُ تتجاوزنا أكثر ممّا ننجح في تجاوزها، نحن، هذه الأيّام، وسط انتفاضات أمكنة وعناوين فوق رؤوسنا، لمجرّد أنّ فينا من الأصوات من تجرؤ على التّصادُم مع الكذب. كذب الحكومة علينا، ورئيس حكومتها، الّذي لا آخر لحبال غسيلهِ المكرّر، وتحريضهِ على البيوت الّتي بقيت لنا منذ نكيتنا الأولى في أل 48. لدينا حكومة تتلمذت على يد القهر، قهر ضحيّتها، وإذا كان تاريخها قد جلدَهَا ذات يوم فهي تَستعيدُ أمجادهُ عبر جلدِنا بذات السّوط الّذي ضُربت بهِ.


**أمّ الحيران


ذلك الصّباح، استيقظتُ باكرا على عاداتي القليلة في هذا الفعل الجميل، فكان أوّل ما لفَحَني  على شاشَةِ هاتفي وجهه المُدمّى، أيمن عودة. ضاق جبيبني وما بين عينيّ، تجعلَكتُ. تماماً كما يؤدّي ظهور الذّئاب المفاجىء  في صور الرّسوم المتحرّكة لوجوهِ متابعيهم من الأطفال، وبحثتُ مثلهم عن مبرّر معقول لإشراكِ جسدي كلّه في ردود فعل قادرة على إبغاتِ دولة بغتت صباحي وقلبي، ونقلت موروثها في سفح الدّمِ إلى مذاق فمي. كأنّ الدّم نزف، إذّاك، من فمي أنا وجبهتي الّتي شابهت حزّ ليمونة معصورة، لم ينتظر الدّم كثيرا حتّى انزلق إلى قلبي. عيني كانت تتحسّس غبار كلامِهِ، رئيس الحكومة الّذي تمهّنَ التّحريض ضدّنا، نحن العرب، فلسطينيّي الدّولة.
 لم يكن صباحا لطيفا، ولا يوما يعترف بأرقام ساعاته. كانت أحداث اللّيلة الّتي نمتُها عميقة، قد عبثت بمنامات أناس وأسماء وأماكن. وكنتُ ربّما آخر من سمعوا عن نحيب النّسوة والأمّهات، وآخر من بكى على نواحها العميق، المرأة الّتي فقدت ابنا جعلتهُ حكومة نتنياهو وبوليس موسادها منتمٍّ غيبا لتنظيم الإخوان المسلمين، ولتنظيم داعش, هم يجيدون مهنة تصنيع النّسب دون حاجة لملفّات، وصور. هكذا تعوّدنا عليهم، هكذا عوّدتنا تحقيقاتهم.
والمفجع فيما حدث أنّ الشّرطة في دولة قانون تجيز إطلاق الرّصاص على نائب في برلمانها لمجرّد أنّه وقف يدافعُ عن حقّ شعبهِ في امتلاكِ سقف وجدار. لماذا لا تحدث هذه الفواجع في علاقة الدّولة مع نوّابها من غير العرب؟ ولماذا يحسبون كلّ سنتمتر يبعد أو يقرب النّائب اليهودي؟ ولماذا لا زالوا يسكتون عن مستوطنة "عمونة" غير الشرعيّة، القائمة على أراضٍ فلسطينيّة؟ لمَ يمهلون مستوطنيها، وهم على أمل في ابتلاع أراضيها؟ لقد أدهشتني مساحة الأكاذيب الّتي احتلّت الشّاشات الأربعاء الماضية. لم تؤكّد قناة تلفزيونيّة واحدة أنّ ما أطلق على أيمن عودة هي رصاصة، تلعثموا لحدّ لا يمكن تصديقه وهم يصفون القطعة السّوداء الّتي أصابته، وأضافوا يجوز أنّها حجرٌ مارق من أحد الإرهابيّين الّذين زخّوا بالمكان! خلال يوم واحد ألصقوا بنا مانشيت الإرهاب، وأصبحنا جميعا "مُعلّمين" به، ومُشفّرين بأعلام داعش الّتي خلقوها هذين اليومين على مقاس وجعنا، ليداروا تجاوزاتهم الأخلاقيّة الكثيرة، وعلى رأسهم رئيس الحكومة الّذي تجاوز التّجاوزات كلّها.      

      

**العرب يتدفّقون إلى صناديق الإقتراع..!


هل تذكرون القطعة المعدنيّة النّادرة الّني ألقاها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، يوم أوشك على الخسارة عشية الإنتخابات الأخيرة؟ يومها دفعَنا إلى واجهة الحدث لينجو من الهزيمة. جعلنا الطُعم الّذي استعاد به ملوكيّته على عرش إسرائيل، والأمر لا يتغيّر، ولم تحدث عجائب للسّندباد في بلاد الإلدورادو ليفاجئنا واقعا آخر. رمى صنّارته في بحر الأكاذيب، وأنكرَ اتّفاقا أُبرم ساعات الفجر الأولى مع رئيس القائمة المشتركة يقضي بنقل السّكان إلى حورة تفادياً لساعات الموت الّتي مرّت بعد ذلك. تفاديا لدم سال حتّى ساعات الصّباح، الدّم الّذي استحال بعضه إلى حجارة وبعضه إلى تراب، والبعض الآخر إلى صراخ. هكذا هو، فنّانٌ في قلب الحقائق، وفي إحالة الماء إلى دماء. كان يجب أن يقدّم عروضا مسرحيّة تخفي آثار الشّمبانيا، والسّجائر الّتي فرض على رجل الأعمال تزويده بها كلّ أسبوعين تحت رموز غريبة، "عرق وورق". سكب العرق نهر وجع، وأشعل الورق جداول دمع في عيونِ النّساء والأطفال. اشتهت أمّ الحيران ذلك الصّباح قبرا  مكان الحياة الّتي انهارت في عيون نسائها. أيّ قانون هذا الّذي تستظلّ بسطورهِ حكومة وضعت بنودهُ في عُروةِ بنطالها الممزّق؟
ونحن، بعد التدفّق والتّمزق. بعد الفجيعة والدّمار. نحن بعد قلوبنا، وعلينا ألا نترك عقولنا نهب اتّهامات مارقة. غريبون نحن، كلّنا تابعَ أيمن عودة في محنته صباح ذلك اليوم، ورآه يزيحُ إصاباته عن وعيهِ ويفسّر بنقاء الذّهن الّذي نعرفه ما حدث. لم تغيّبه لا الإصابة، ولا تشكيك الإعلام العبري بماركات الرّصاص الّذي أطلق عليه. نحنُ من رأى وسمعّ. نحن أهل المَصاب، فلماذا نمسحُ رزانة الفكر الّتي لنا، بجرّةِ إشاعة، ونكيلُ اتّهامات باطلة بحقّ بطولاتنا؟ لماذا لا نثقُ بنا؟
مساء اليوم التّالي تدافعت النّميمة على صفحات التّواصل الإجتماعي، "أيمن عودة في حفل هاني شاكر". ماذا يعني هذا؟ هل ستقايضون حريّته الشّخصيّة بصوتكم الّذي أعلنتموه قبل سنتين؟ والحاصل أنّ النّائب شارك القيادة الفلسطينيّة في رامالله بذكرى انطلاقة الثّورة، الّتي أحياها هاني شاكر! لا تسألوني لماذا استُقدِمَ هاني شاكر الرّومانسي لإحياء ذكرى انطلاقة دجّجها الرّصاص، كأنّ الثّورة دُجّنت فجأة، واستحالت إلى رسائل حبّ مسالمة! كأنّ الأصوات الثّائرة انمسحت جميعها من الذّاكرة، ولم يبق إلا صوتهُ هاني شاكر يعلنُ أصوات الكلاشنكوف.
وأنا، هذا الصّباح أسأل عنكم الرّئيس الفلسطيني، وطاقم إحياء انطلاقة الثّورة، لماذا جئتم بهاني شاكر في هذا الوقت ليفسدَ على رئيس القائمة المشتركة حصادهُ الإعلامي، كدنا نموتُ من رصاص أراد أن يأخذهُ، فلماذا فوّتم دهشة الموتِ علينا وعليه؟ ما أصعبَ عمى الألوان الّذي لَنا! وما أقسانا علينا، نحن..



(حيفا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

النجاح لمؤتمر الحرس الفتي

featured

مع الفقراء والمظلومين

featured

ليخجل الديمقراطيون الفلسطينيون من أنفسهم!

featured

حراك نسائي سعودي عادل

featured

ترامب لا يملك قلب التاريخ

featured

عام طوى سجله وختم عمله

featured

كتاب يستشرف مستقبل «داعش»

featured

وماذا عن الجدار الفاصل في فلسطين؟؟