احتفال الشعب الألماني بسقوط وانهيار " جدار برلين" ، أصبح رمزا من الرموز التاريخية في حياة المواطن الألماني ، واحتفالا لاحياء ذكرى ثورة الشعب ضد السور الذي كان نتيجة الحرب بين الاتحاد السوفييتي ، والولايات المتحدة الأمريكية . ثورة الشعب في هدفها كصاعقة دوت في سماء العالم وفي سجل تاريخ البشرية أثبتت أن بامكان الشعب تحقيق الوحدة الوطنية ، والحفاظ على الأرض المغتالة ، والتعبير عن أبسط حقوق الانسان . وأتساءل ماذا بعد سقوط " جدار برلين" ؟ وبعد تحقيق الشعب الألماني جزءا من حلمه الوطني ، ويأخذني السؤال الى سؤال آخر وهو الأهم : ماذا عن الجدار الفاصل ( الغول) المتربّع في الضفة الغربية في فلسطين ؟ انّ هدف اسرائيل ببناء هذا الجدار واضح وقد لا يخفى على أيّ مواطن فلسطيني يعاني الأمرّين من انتهاك الحق وسلب الانسان أدنى حقوقه الانسانية والاجتماعية والاقتصادية . واذا كان الشعب الألماني بثورته أدى الى انهيار " جدار برلين" في عام 1989 ونتيجته وحدة وتكاثف وحرية ، أتساءل هل ينتظر الشعب الفلسطيني أيدي جبّارة لهدم الجدار ؟ وما معنى أن يبقى كالغول في وجه العامل وهو ينهض فجرا كي يلملم ما تبقّى من ( رغيف الخبز المحروق) الذي أصبح يتمناه بلونه الأسود وطعمه المالح ؟ جدار الفصل في الضفة الغربية خطّة من طرف واحد لاستمرار التوسّع الاسرائيلي وبناء المستوطنات على أراضي فلسطينية ، ومصادرة العديد منها ليس فقط في الضفة وانما داخل الخط الأخضر ، من أجل " وأد" آخر جنين يتكوّن في رحم الأرض ، الأرض التي يعتاش منها آلاف المواطنين العرب ، انّه " الاقصاء ، والاخصاء" ، عزل الفلسطيني من تواصله اليومي اقتصاديا واجتماعيا ، ثقافيا وحضاريا ، السور الذي يحجب عنه السماء والنور ، الضوء والهواء والماء ليعيش في بؤرة اختناق ، لكمّ الأفواه وخنق الصرخة في جوف الحق الأبسط من حقوقه كانسان ، الجدار بأبعاده حسب الخطط المدروسة مسبقا تكمن في العديد من الأطر التي تحرم المواطن من قطف ثمرة نجاحه بكرامة وكبرياء ، تهديم الفكر واقتلاعه من جذوره ، مصادرة الفكر والانتاج العربي الفلسطيني وذلك بمصادرة الأراضي والترحيل ، والتشرّد من " المكان" والذي هو بحدّ ذاته هوية الانسان ، والمسكن والانتماء ، والاستقرار ، وخلق طفولة سعيدة ، سليمة صحيّا ، ونفسيّا ، وفكريّا ، كيف يتحقق لهذه الطفولة مستقبلا ناجحا ، مستقرا، وهي تعيش حياة الصراع مع الموت البطيء والبحث عن الرغيف ؟ الهدف ، ردع المواطن عن اثبات وجوده كصاحب حق يحلم بدولة له ، يحلم بقدس له ، وباستعادة حقوقه المصادرة ، السؤال الذي يطرح نفسه : من يحمي الفلسطيني القابع في العتمة وراء الجدار؟ مع أنّ قرار المحكمة الدولية نصّ أن " الجدار الفاصل" غير قانوني ، ماذا ينتظر الشعب ازاء ما يجري اليوم على الساحة السياسة من استمرار اغتيال حقوق هي ملك الانسان نفسه ، هل يملك الانسان الفلسطيني نفسه ؟ سؤال يدعو لوضع النقاط على الحروف . ما يثلج الصدر أنّ الجدار المبني من أجل منع المواطن من حرية التحرّك والتعبير عن الرأيّ واتخاذ قرار حاسم هو ما نراه اليوم من دور " المبدع العربي الفلسطيني" الرافض لمنهج الاستسلام ، والاحساس بالحزن ، والكآبة وكلّ هذه قد تؤدي الى قتل الابداع بكل عناصره وألوانه : الشعر ، الرسم ، المسرح ، الموسيقى ....الخ من الابداعات والطاقات الفنية ، اذ أنّ رسالة المبدع الخلاّق ليس فقط التقوقع داخل الذات وانما مهمته الكبرى الخروج من الخاص الى العام ، وما أقوله ليس خيالا بل يتحقق على أرض الواقع بتحويل " الجدار الفاصل" الى ذاكرة للشعب الفلسطيني ، حيث يقوم رسامون وفنانون من فلسطين بحفر هذا الرفض واعطائه مطلق الحرية للتعبير والتنفيس برسومات فنية يتحول من خلالها الألم الى فرح ، والكآبة الى سعادة ، اطلاق العنان للألوان ، والظّل ، ومساحات من فراغ تحتاج للمسات الفنانين والمبدعين ، والخلاّقين ، ربما بهذه الخطوة يؤكّد المبدع ابن الوطن أنه هنا وما يزال هنا ، يعيش ، ويتنفّس ويستمر ويحلم رغم الحصار ، ورغم حريته المغتالة . كي يؤكّد أن السخرية هي أن نسير خلف الجدار كي نحتمي به ، لذا نرى الرسومات التي تعانق مناديل الذاكرة لكل طفل دامع ، ولكلّ أمّ ثاكلة ، ولكل صرخة تركت صداها في عالم الأمومة الباكية ، تبقى الرمز على جدار سوف يتحول ليس الى مبكى للهزيمة وانما " ذاكرة شعب" لا يمحوها الزمان ..!!