مع الفقراء والمظلومين

single

لولا العمر ولولا صديقايّ الثّقيلان الدّائمان اللذان ما تركاني وحدي لحظة منذ عقدين وأكثر،السّكريّ وضغظ الدّمّ العاليّ، لشاركت في مظاهرة الأثيوبيين المسحوقين ولأقفلت معهم شارع أيلون،الشّريان الرّئيسيّ الذي يربط مدينة تل أبيب بمدينة القدس و"شقلبت"سياّرات الشّرطة في ساحة رابين وتحمّلت خراطيم المياه وقنابل الغاز المسيّل للدّموع وسنابك الخيول، ويعود ذلك لسببين أوّلهما فكريّ طبقيّ فأنا مع المظلوم ضدّ الظّالم ومع المضطهَد ضدّ المضطهِد ومع الفقير ضدّ الغنيّ ومع الجائع ضدّ المتخم، وثانيهما لأنني عربيٌّ فلسطينيّ يعاني من الاضطهاد ومن العنصريّة. اليست هذه فرصة سانحة لي لأغلق الشّارع الرّئيسيّ، شريان هذه الدّولة، لمدّة ساعتين وأبقى حيّا ولا يطلق قنّاص رصاصة على ظهري أو صدري أو رأسي وألا يسيل دمي على الشّارع العامّ، وألا يرد أسمي في قائمة القتلى ولا يقال عنّي"عربيّ مخرّب"أو"طابور خامس".؟!
أقفل شبّاننا شارع وادي عارّة لدقائق معبّرين عن غضبهم فدفعنا الثّمن غاليّا، قتلى وجرحى ومعتقلين من أم الفحم ومن جت ومن معاوية. وأقفل شبابنا لفترة قصيرة جدا شارعا جانبيّا بين كفر مندا وبين كوكب أبو الهيجا فدفعنا الثّمن غاليّا، شهيدا وجرحى وأسرى، وأقفل شبابنا شارعا عاديّا بين مدينة سخنين وبين بلدة عرّابة فقتل العسكر شابّا احتمى بشجيرة زيتون، رمز السّلام، وشابّا يقف على الرّصيف وجرحوا وأسروا وضربوا.... وبرّأت المؤسسة الرّسميّة القتلة.
لولا أنه العمر فقد بلغت في هذه الأيّام سبعة وثلاثين عاما وسبعا وثلاثين سنة بربيعها وخريفها وصيفها وشتائها، ولولا صداقة صديقين ثقيلين وفييّن في زمن قلّ فيه الأصدقاء الأوفياء، ولولا....لكنت مع هؤلاء الذين أسماهم ألأعلام الإسرائيليّ في البداية "الفلاشا" طائفة المهاجرين التي جاءت من الحبشة، وكلمة "جاءت" غير دقيقة فهذه الطّائفة أو المجموعة التي "هرّبتها" الحركة الصّهيونيّة بعمليّة عسكريّة بالتّعاون مع الرّئيس السّودانيّ "القّوميّ" جعفر النّميريّ الذي قبض"على الرأس" كذا دولارا، ثمّ أسماهم ألأعلام نفسه "اليهود ألأثيوبييّن" وأحيانا الأثيوبيين فقط. ولا أعرف أذا كانوا يهودا أو نصارى أو مسلمين أو بوذييّن ولكنّ الذّي أعرفه أنّهم بشر فقراء عانوا في أثيوبيا من الفقر والجوع والمرض والجهل فّغرّرت بهم الحركة الصهيونية عندما وعدتهم بالعيش في بلاد السّمن والعسل، وبالبيت العصريّ وبالعمل وبالمدارس وبالتّعليم الجامعيّ وبالحياة"المنغنشة"فلمّا وصلوا الى بلادنا لم يذوقوا السّمن والعسل ولحق الفقر بهم ولم يفارقهم، ولو بقوا فقراء جياعا كما كانوا لربّما امنوا مثل معظم الشّرقيّين بأنّ هذا قدرهم ولكنّ العنصريّة والاضطهاد والإذلال تسلّلوا إلى الفقر والجوع واستوطنوا وعشّشوا في بيوتهم وأحيائهم.
هؤلاء يخدمون في جيش الاحتلال في الضّفّة الغربية ويشاركون في الحرب على غزة ويداهمون البيوت الفلسطينيّة ويعّذّبون النّاس على الحواجز ويعلنون صباح مساء أنهم عادوا الى وطنهم الذّي وعدهم الله تعالى به ولكنّ "أخوتهم اليهود" يرفضون العيش معهم في الحيّ أو العمارة
ولا يسمحون لأولادهم السّود البشّرة بأن يدخلوا مدارس البيض واذا تبرّعوا بالدّم يرفضون دمهم لأنّه دمّ أسود وأذا ما عثر شرطي على فرد منهم في الشّارع أشبعه ضربا حتى لو كان يرتدي ملابس الجنديّة لأنّه متسلّل سودانيّ،اريتيريّ،افريقيّ،غوي أبن غوي أسوأ من العرب.
لا تلوموني لأنّي ما شاركت في مظاهرتهم ولا تعذلوني لو شاركتهم!!
أنا مع الفقراء ومع المظلومين...وأنا ضدّ العنصريّة.
أنا مع نفسي .أنا مع شعبي.


قد يهمّكم أيضا..
featured

معركة تستوجب التصعيد

featured

عن التكفيريين الجدد والفكر الوهابي..!

featured

ماذا وراء تهديدات بنيامين نتنياهو البلطجية !

featured

هجمة «داعش» أو عصبيّة «التعاون الخليجي» (2)

featured

ألقضاء في اسرائيل... هل فعلا عادلا؟

featured

دعم ميداني اسرائيلي للتكفيريين

featured

ندين ولا نتهم