شاهدت أبا فراس بين الجماجم وبين الأطراف المبتورة وبين البطون المبقورة يجفّف دموعه بريش الحمامة الأخيرة النّائحة النّاتفة جناحيها على أطلال معذّبته بعدما جفّ الحبّ وتعفّنّت جثّته في زنزانة نيرون وانتصر الموت في قصر سيف الدّولة. ورأيت العرب العاربة ورعاة الإبل يرقصون بالسّيوف حول بوّ في قصر آل نعسان بعدما سقط القناع عن عجيزة أمّهم القبيحة. وأبصرت بعينيّ أبي العلاء المعرّيّ الشّعوبيّين والموالي والرّومان وقتلة الهنود الحمر والجبابرة الذين قادوا زنّوبيا في شوارع روما وكاسيوس وبروتس وابن العلقميّ وراسبوتين يشربون النّبيذ الفرنسيّ ويأكلون الكافيار. ما انتصرت القيسيّة ولا انهزمت اليمانيّة في معركة مرج راهط بل انتصر قاتل الملذّات ومبدّد المسرّات وانهزم المغنّي الذي ردّد فوق ميسلون بأنّ على أرض الشّهباء ما يستحق الحياة. ومازال امرؤ القيسّ يا عصيّ الدّمع يستجدي معونة القسطنطينيّة ويرتدي ثوبه المسموم ويبكي غربته ويحنّ إلى الغدير. نحرتنا انكشاريّة الدّواعش على عتبات المعابد التّي صلّينا فيها للسّلام مثلما طعنتنا في الأعناق مرتزقة النّصرة الذين ساروا تحت راية النّصر من البيت. أيّ بيت يستقبله أولاد الكلبة الحائل؟ أبيت أمريكيّ أم فرنسيّ؟ أبيت أبيض أم أصفر أم زعفرانيّ؟ لا أدري كيف تسلّل أبو مسلم الخرسانيّ إلى قصر الخليفة وكيف نرفع رؤوسنا ونفخر لانّ خليفتنا أسمه السّفاح وحاكمنا الحجّاج بن يوسف!؟ ولا أبكي العرب العاربة والبائدة والخارجين من قرطبة والموصل وتدمر وطرابلس وصنعاء، ولا العرب الخارجين من حرف الضّادّ، الخارجين من التقاء الأسنان باللسان مرّة أو مرّتين. لا يهمّ ذلك مثلما قالت أسماء أمّ عبدالله بن الزّبير أو مثلما عاتبت ابنها أمّ عبدالله الصّغير. يا زرقاء اليمامة تعالي نبكِ على راحة طفلة بين الأنقاض وعلى يد بدون جسد وعلى عمران السّوريّ. هل تذكرينه يا زرقاء؟
قصائدك يا عصيّ الدّمع لن تغنّيها أمّ كلثوم فالسّتّ ماتت يوم إغتال رعاة الإبل قائد القافلة على شاطئ النّيل ودفعوا ديته برميل نفط وإستدفأنا به. جفّف دموعك يا عصيّ الدّمع فإنّي أرى لينة تبسق في الغوطة. تبسق. تبسق. تبسق..