تراكمت الأوهام الإسرائيلية عن أن "القدس بأيدينا ولنا"، وكأن أهل المدينة المحتلة الفلسطينيين مجرد كائنات شفافة! ظن المحتلون أن ما لا تفعله القوة سوف يفعله المزيد من القوة، وارتفع منسوب الغطرسة في رؤوس عصابات وميليشيات وجمعيات الاستيطان، فوضعوا تفريغ أحياء القدس العربية من سكانها على مهدافهم، وصولا الى اقتحامات الأقصى التي شكلت الشرارة الأخيرة التي أشعلت ما نراه من أوضاع ملتهبة – وهنا نعيد التأكيد والاتهام: حكومة نتنياهو ممثلة بوزير الزراعة فيها الذي اقتحم القدس مع زمرة أوباش، تتحمل مسؤولية كل الدماء التي سُفكت من الشعبين!
إن هذه الهبة التي تختلط فيها المظاهرات والمسيرات ومظاهر المقاومة الشعبية المتسعة، مع عمليات عنيفة قليلة نسبيًا (رغم التهويل) مصدرها انسداد أي أفق أمام أجيال شابة لم ترَ من كل الاتفاقيات والترتيبات والتنسيقات سوى القهر والاذلال القوميين والشخصيين والبطالة والافقار – هي هبة تعيد رسم الحدود التي تمزق كذبة "القدس الموحدة الكبرى" (وكذلك "اسرائيل الكبرى" التي لم تغادر الرؤوس اليمينية المليئة بالغطرسة..).
واضح أن تخبّط الحكومة في مسألة فرض حصار وحظر تجوّل على القدس الشرقية المحتلة ليس مدفوعًا بتساؤلات وترددات أخلاقية! لا، بل لأن حتى هذه الخطوات القمعية والعقوبات الجماعية ستساهم في تحديد وتعليم الحدود التي تمزق تلك الكذبة الكبرى. هذه الحكومة وسياستها مأزومة بدرجات هائلة، وكما سبق القول: لا ينقذها اليوم سوى انعدام الوحدة السياسية الفلسطينية على مشروع وطني يتم النضال لتحقيق أهدافه الواضحة؛ وخيانة أنظمة العرب المشغولة بتأدية خدماتها لأعداء الشعوب العربية بواسطة تأجيج حرب تفتيتية في سوريا وشن عدوان على اليمن وبثّ السم المذهبي على إيران! هذه الأنظمة هي حليفة حكومة إسرائيل ضد القدس وضد الأقصى، وكل من يقف في خندقها يهدد نفسه بالتلطّخ بخيانتها.
