* استهلال
ارتكب الرئيس الأمريكي الجديد المثير للنقاش، دونالد ترامب حماقة عسكرية في سوريا فجر يوم 7 نيسان الجاري، بادعاء الرد على الغارة الكيماوية المزعومة للجيش السوري في بلدة خان شيحان قبل أيام، وفي أعقاب حملة اعلامية دولية غير مسبوقة بمداها وتناغمها وحقدها على سوريا، حيث جمعت أطرافا متناقضة من الحركات الاسلامية حتى أقطاب الحركة الصهيونية، في حالة انسجام مريبة.
تلك الحملة والغارة الأمريكية التي أعقبتها ذكرتني فورا بفقرة وردت في كتاب "الأسد بين الرحيل والتدمير الممنهج" للاعلامي العربي المعروف سامي كليب، تقول: "ان الواضح من خلال الوثائق والدراسات ومحاضر الجلسات أن خطة تدمير سوريا كانت أكبر من النظام والمعارضة. وكلما كانت الهوة تتسع بين الطرفين، أكان بالقتال على الأرض، أم من خلال فشل اجتماعات جنيف للحوار، كانت تلك الخطط تجد خصوبة كبيرة في الأرض السورية لاختراقها". ولم ينتبه معظم المتسرعين من المحللين والحاقدين على النظام السوري الى تلك المفارقة، حيث شهد الميدان السوري أسابيع قليلة قبل الغارة الأمريكية انتصارات للجيش العربي السوري تمثلت في تحرير عدد من المواقع والبلدات التي كانت تسيطر عليها العصابات الارهابية المدعومة من دول خارجية، وكذلك في تحقيق مصالحات وطنية في أكثر من موقع عادت اليها السيادة للدولة السورية. وعلى صعيد المفاوضات شهدنا فشل اجتماع جنيف الأخير وقبله اجتماع أستانة نتيجة مقاطعة فصائل "المعارضة" السورية لها، وبدون كاف التشبيه، حيث تحركها أيد خارجية معروفة وجهت لها أمرا فأطاعته جميع الفصائل، فصدق استنتاج سامي كليب في كتابه، لكن الحاقدين يشيحون ببصرهم عن الحقائق فكيف ببصيرتهم.
وكنت قد فرغت مؤخرا من قراءة ذلك الكتاب الهام والذي يضيء ويكشف أسرار العداء البهيمي لسوريا والانقلاب عليها من معظم الأطراف العربية والدولية التي كانت تدعمها، فانقلبت عليها خلال فترة قصيرة، واستنادا على الوثائق ومحاضر الجلسات يبين لنا كليب حجم "المخطط" المرسوم لسوريا (لمن لا يحبذ مصطلح مؤامرة) والتقاء المصالح بضرب آخر نظام قومي تحرري عربي، ومعارض (لمن يعارض كلمة مقاوم) للسياسة الأمريكية الاستعمارية والاسرائيلية التوسعية ولأنظمة الخليج (لمن يتحفظ من تعبير رجعية)، تلك الأمور وعدم وصول الكتاب الى منطقتنا واطلاع الناس عليه، جعلني أقدم استعراضا لأهم ما جاء في الكتاب، علّ ذلك يفتح بصائر البعض ممن يصرون على اغلاق بصيرتهم واتباع أحقاد خافية أو أفكار مغلوطة.
يقع الكتاب في 675 صفحة من القطع الكبير ويتوزع على خمسة فصول يليها باب "الملاحق والقرارات والدراسات" وبعده باب " مراسلات الجامعة وسوريا" وملحق الوثائق وقائمة المراجع والكتب انتهاء بفهرس الأعلام وبالطبع هناك المقدمة في مطلع الكتاب.
**ماذا حمل الكتاب في أقسامه الخمسة؟
القسم الأول حمل عنوان "بشار بين مقتل باسل والرئاسة" وفيه يستعرض المؤلف طفولة وشباب بشار الأسد وما مر عليه من أحداث سياسية وعائلية، وتدرجه نحو الرئاسة وتطور الظروف والوقائع حتى وصوله الى رئاسة الجمهورية. ويكشف عن مواد ولقاءات وتصريحات ووثائق خفية وعن بوادر صراع داخلي في البعث السوري بين الحرس القديم والجيل الجديد الشاب.
يطلعنا كليب في هذا الفصل على التربية التي نشأ عليها الرئيس بشار وهو لم يعد أصلا لهذا المنصب، انما فرضته عليه الأقدار بعد وفاة شقيقه باسل في حادث مأساوي عام في كانون الثاني 1994، ويكشف لنا عن أمور ثلاثة أثرت في تربية بشار ونشأته منذ الطفولة وهي اعتباره الرئيس جمال عبد الناصر في مقدمة القادة التاريخيين المفضلين لديه، والثاني حرب تشرين والثالث، الاشتباك الدموي مع جماعة "الاخوان المسلمون" السورية عام 1982". وبعدما تسلم بشار الرئاسة كانت المواجهة الأولى له مع الحرس القديم للنظام والذي لم يرق له تسلم الشاب بشار الرئاسة، وكان أركانه يطمعون في الاستيلاء على السلطة، وفي عام 2005 يقرر نائب الرئيس عبد الحليم خدام الرحيل عن الحكم والانتقال للعيش في باريس، بعدما نهب أولاده "نصف الاقتصاد في سوريا"، ومع مغادرة خدام وقبله رئيس الأركان الشهابي البلاد "انكسرت فعليا قدرة الفريق المعارض من الفيلة السابقين على اعاقة سياسة الأسد". (ص 59) ويكشف لنا أيضا أن الولايات المتحدة وفرنسا كانتا وراء دعم بشار في بداية حكمه، على أمل أن يسير نحو عقد اتفاق سلام مع اسرائيل.
القسم الثاني وعنوانه "الأسد بين الانفتاح والتغيير"، يستعرض فيه المؤلف مواقف وتصريحات بشار منذ تسلمه الرئاسة والتي تميزت بالاعتدال والجنوح نحو السلام لكن مع المحافظة على الثوابت، وحقق بعض الاصلاحات الداخلية وتحسن الاقتصاد السوري مما جعل دول الغرب تدعمه وتقف الى جانبه. وخطأ تلك الدول كان في ظنها انه يمكنها أن تسيطر على الأسد ونسيت أنه نشأ على تربية قومية وأفكار راسخة شربها من طفولته. ولما أبدى بشار تمسكا بمواقفه وتشددا ودعما للمقاومة، وفي هذه الأثناء تم اغتيال رفيق الحريري في بيروت، في الوقت الذي كانت تنشط فيه قوى معارضة سورية في الولايات المتحدة وتمارس التحريض اليومي على الأسد، هنا مالت امريكا نحو توجيه اصابع الاتهام للنظام السوري مما اعطى دفعة للمعارضة، ولأن الأسد بقي متكمسكا بمواقفه العروبية التي أخذ الزعماء العرب يتخلون عنها ويتجهون نحو تسوية سلمية مع اسرائيل برعاية امريكية، بقي صوت بشار "شاذا" في مؤتمرات القمة وخاصة في مؤتمر عمان عام 2004 والدوحة عام 2009 حيث تحدث عن الضحايا الفلسطينيين نتيجة الغارات الاسرائيلية على قطاع غزة.
القسم الثالث: "احتلال العراق" فيه يعرض لنا تطور العلاقات السورية مع كل من الولايات المتحدة وفرنسا. والتي كانت حسنة ثم تدهورت نحو السيئة فالأسوأ، بداية من غزو العراق فتطور الأحداث السياسية وانتقال الحكم الى بشار وأزمة لبنان.. وبالدلائل والوثائق يثبت الكاتب أن أمريكا كانت تسعى لتقويض أسس النظام السوري، وفرنسا بدأت تدخل في حلقة ضرب سوريا حيث انقلبت سياستها من المحاباة الى العداء تجاه سوريا ورئيسها، ومن ثم اندمجت في التحالف المعادي لسوريا وباتت تعمل على الاطاحة بالأسد. وبين هذا القسم ثبات الأسد على سياسته وعدم خداعه حلفاءه وأصدقاءه، ودفاعه عن محور المقاومة مهما كلف الأمر.
القسم الرابع: "الأسد بين تركيا والعرب، تعاون فصدام"، يستعرض دور تركيا في ضرب الدولة السورية ودعم الاخوان والمنظمات الاسلامية المسلحة وتدخل تركيا في الأزمة السورية. كما يتعرض للعلاقات مع قطر خاصة ودول عربية أخرى وخصوصا الخليجية كالسعودية، وكيف انزلقت هذه العلاقات الى حالة جفاء وعداء، وتآمر تلك الدول على سوريا من منطلقات مختلفة منها الحقد ومنها التحدي والمصالح وغيرها. ويستعرض الكاتب العلاقات الايجابية التي كانت قبل الأزمة، ومدى دعم تلك الدول لسوريا واحتضانهم لها ومن ثم انقلابهم عليها، لأنها حافظت على ارادتها واستقلالية قراراتها ولم تخضع للاغراءات المالية والضغوطات على أنواعها.
ويستعرض المؤلف موقف وقرارات الجامعة العربية التي باتت تنفذ سياسة غربية بحق دولة عربية عضو، وتنساق خلف الاشاعات والأخبار المزيفة وتفصل دولة من عضويتها دون وجه حق، في خطوة غير مسبوقة بعد سيطرة قطر على الجامعة وتنفيذها لتعليمات غربية.
القسم الخامس: " الأسد والحلفاء"، يتحدث هذا الفصل عن الأسد وعلاقاته مع حلفائه الثابتين خلال الأزمة. بوتين الذي دعم الرئيس السوري بكل قوة ومنتهى الوضوح. العراق الذي كان في حالة عداء في البداية، لكن بعد وضوح خيوط المؤامرة، أخذ قراره الواضح بالوقوف الى جانب سوريا. ايران التي التقت مصالحها مع مصالح سوريا ووقفت بثبات الى جانبها، ترد لها الجميل حين وقفت سوريا الى جانبها في حربها مع العراق. وعلاقة سوريا مع حزب الله التي قامت على شراكة واقدام متبادل، وتقدير كل طرف للطرف الآخر في صراعه مع اسرائيل مما حسم الشراكة بينهما. (يتبع)
(شفاعمرو/ الجليل)
