المهندس الفلسطيني مروان عبد الحميد، حاز على رئاسة الفيدرالية العالمية للمهندسين
حين سافر الزعيم جمال عبد الناصر الى الاتحاد السوفييتي أول مرة كان برنامجه مليئا بالزيارات للمصانع والقواعد العسكرية والمحطة الفضائية، التي كانت آنذاك قد اطلقت الى الفضاء رائد الفضاء يوري غاغارين. وما لفت نظر عبد الناصر هو ان الروس يفتخرون بإنجازاتهم، وعندما كانوا يعرضون عليه شيئا، سواء قطعة سلاح أو منتوجا او قطعة قماش أو سيارة أو .. أو، كانوا يؤكدون له أن هذا صنع في الاتحاد السوفييتي.
وعندما رجع الرئيس الراحل الى مصر كان المجتمع الادبي يثير العواصف والزوابع ضد الكاتب توفيق الحكيم، الذي اتهمه النقاد بسرقة رواية "حماري قال لي" للكاتب الاسباني خمبيز. وقاموا بتصوير كتاب خمبيز صفحة صفحة، وفي المقابل صفحة صفحة من كتاب الحكيم، حتى يثبتوا عملية السرقة. لكن الرئيس قام بإخراس ألسنة النقاد ومنع الخوض بهذه القضية، وقال: ذهبت الى الاتحاد السوفييتي وكلما رأيت شيئا كانوا يتقدمون ويقولون "صنع في الاتحاد السوفييتي"، مع أنني أعرف أن أكثر الذي رأيته صنع في بلدان ثانية. الا انهم يفتخرون، وانتم تحاولون تحطيم كاتب أنا اعتز به وقد تأثرت بروايته "عودة الروح". ولاحقا بادر الى منحه "قلادة النيل" تقديرا له على ابداعه الادبي.
ورغم أننا نعرف أن الكاتب توفيق الحكيم طعن عبد الناصر وأطلق كتابه "عودة الوعي"، حتى ينهش تاريخه، ولم يتذكر حادثة سرقة الكتاب، مع أنه لا علاقة بين عبد الناصر وتوفيق الحكيم بيهوشوع بن نون الذي رجع الى اريحا عبر مشروع سياحي اقتصادي. الا أن الصورة التاريخية تمزقت ولم نجد من يجمع تفاصيلها الممزقة. فحين تعجب عبد الناصر من ثقافة الفخر والاعتزاز لدى السوفييت - وهذا قد يكون من اسباب نجاحهم وتفوقهم وانتصارهم - وجد أن هناك تفسخا في ثقافة الاعتزاز والفخر بأنفسهم، وهناك عقدة فشل لدى المصريين. فهم يسخرون ويحاولون تشويه أي نجاح، حتى لو أن كاتبا له باع طويلة في الأدب. وأمام هذا الموقف كان لا بد من عبد الناصر أن يعطي ثقافة الفخر نبضا وتنفسا حتى لا تصدأ النفوس، فثقافة الفخر تولد النجاح والانتصار والمقاومة.
لا نعرف أين هي السلطة الفلسطينية، حين أصر رئيس المجلس البلدي ومديرية الآثار في مدينة اريحا على اطلاق اسم يهوشوع بن نون على احدى الحدائق، واليافطة الضخمة المكتوبة بالخط العربي والانجليزي تستقبل السياح يوميا وتحاول رشوة الواقع. كأن يهوشوع بن نون ينام باطمئنان على مجده التاريخي والديني، والأخوّة الدينية بين الشعبين أقوى من السياسة الاحتلالية الاستيطانية..! نعم، مديرية الآثار الفلسطينية، ويتبعها المجلس البلدي في اريحا، لم يجدا اسما وعنوانا عربيا وفلسطينيا الا اسم يهوشوع بن نون ليطلقوه على الحديقة في بلدهم اريحا..! كأن الاسماء العربية الفلسطينية انتهت، والشهداء خرجوا من الذاكرة، والمعارك قدمت استقالتها من كتب التاريخ الفلسطيني. في هذا الوقت بالذات، الذي تحاول اسرائيل فيه نهش كل شيء، يقفز يهوشوع بن نون لترسيخ الروايات اليهودية التراثية. قد يقولون انه من الانبياء والشخصيات الدينية، لكن عندما نعرف ان يهوشوع قاد حملة العبرانيين على فلسطين، وهو الذي طلب ان لا تغيب الشمس في معركته الاخيرة حتى يحقق انتصاره يوم الجمعة قبل الدخول في يوم السبت. وحقق له الله هذه الامنية، ودخل اريحا سنة 1195 قبل الميلاد، مدمرا اسوارها لقتل اهلها والقضاء على كل من فيها..!
في الواقع الاحتلالي كل شيء محسوب، من الكلمة الى الموقف الى الابتسامة الى اللقاءات الى عبارات التسامح الى تقاسيم الوجوه. لا يمكن فصل التصرفات والسلوكيات عن المعاناة اليومية والمصادرة، وعمليات التهميش لشعب ما زال يعيش تحت اللجوء والتشرد. لا يمكن النظر الى المحتل من عدة زوايا. هناك زاوية واحدة وحادة هي زاوية الاحتلال البغيض الخانق. فكيف نجر الرواية التاريخية اليهودية الى عقر بيتنا، ونعمل على تزيينها وتقديمها على شكل حديقة عامة ، ونحن نعرف ان الاحتلال يتمسك بشعرة وجرة يجدهما تحت تراب، يفتش عن منافذ دينية وتاريخية ينفذ منها كي يسرق الأرض والهواء والفضاء ويصادر حياة الفلسطينيين..؟!
أحد المؤرخين أكد، في لقاء تلفزيوني، أن العرب هم الذين يتمسكون بالمقامات اليهودية والأماكن التاريخية التي تتعلق بتاريخ اليهود. ويعملون على ترسيخها في الذهن الاحتلالي، وهي التي كانت سببا في الاستيلاء عليها من قبل اليهود تحت ذريعة الدين.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سمعنا أو قرأنا مرة عن حديقة أو مطعم أو شارع أو مؤسسة، أو أي مكان يطلقون عليه اسما له علاقة بالعرب او بتاريخهم أو بالدين الاسلامي أو المسيحي؟! فلماذا في اريحا وغير اريحا تقومون باستدراج الاحتلال، عبر اطلاق اسماء يهودية على اماكن فلسطينية؟! من المؤكد بعد مئة سنة انهم سيدخلون مدينة اريحا بحجة مقام النبي يهوشوع بن نون...!!
ومن باب ثقافة الفخر، يحق للشعب الفلسطيني ان يقول: هذا الرجل منا ولنا، ونطالب الرئيس "ابو مازن" ان يمنح المهندس مروان عبد الحميد احد الاوسمة، التي يوزعها بصورة تدعو للتساؤل هل كل واحد يستحق أن نقدم له الوسام الفلسطيني؟!
حتى اليوم لم تكرم الرئاسة الفلسطينية المهندس مروان عبد الحميد، الذي حاز على رئاسة الفيدرالية العالمية للمهندسين التي تضم في عضويتها اكثر من 93 دولة، فيها اكثر من 20 مليون مهندس. فمن المؤكد ان تبوأ المهندس مروان الرئاسة يعيد الثقة للواقع الفلسطيني. لذا نقول للمسؤولين: اننا - الفلسطينيين - نستطيع النجاح والانتصار والتفوق والبروز بدون يهوشوع بن نون..!!
