مصر يمّه يا بهيّة..الزمن شاب وانتِ شابة

single

// جماليات ميدان التحرير يومي الخميس والجمعة من كل اسبوع، تتلخّص في قدوم الآلاف من الشباب إلى هناك. يلتقون ويستعيدون بذاكرتهم أيام ثورة 25 يناير 2011. هناك سمعت القصائد النارية والخطب العصماء والنكات المتعلقة بالبلطجية وصيحات الباعة والمقهورين من البروليتاريا
 
// هاتفت صديقي السينمائي المصري لاصطحابه إلى الميدان. كانت الأمور تتجه نحو التصعيد بالقرب من السفارة الإسرائيلية. وبدأت الفضائيات قبل بزوغ الفجر تنقل أحداث اقتحام "السفارة في العمارة"

// أشاروا لنا إلى الزقاق المؤدي إلى مقهى "الفيشاوي" المشهور حيث كان يجلس دائماً عميد الرواية العربية نجيب محفوظ. المقهى مكتظ جدا، وفي زقاق معتم ضيق تختلط فيه المقاعد بالطاولات بالناس، المارة بالشحادين، الباعة المتجوّلين من مختلف الأصناف  بالمطربين والأولاد الصغار الذين يطبّلون على المقاعد ويروون الحكايات لزبائن المقهى من أجل بعض القروش

// أحد أبناء يوسف الدهّان كان لطيفاً، وهو يدير مطعماً باسم (مأكولات أولاد يوسف الدهّان). استغربت إلمامه بتاريخ السينما المصرية، وقال لي بأن الأفلام المصرية الأولى كانت منتجة على يد فلسطينيين هما بدر وإبراهيم لاما (الأعمى)، وطلب مني أن أذهب إلى "معهد السينما " في منطقة الهرم (شارع الهرم) للبحث عن هذين الرائدين في السينما المصرية..

//

1
كان عليّ ملامسة الأسطورة المصرية

"مصر يمّه يا بهية ، يمّ طرحة وقلاّبية
الزمن شاب وانت شابة
هو رايح وانت جايّة
... "
(الشيخ إمام ـ أحمد فؤاد نجم)

رجعت من رحلتي المصرية بتمثال متوسط الحجم للملكة المصرية (إيزيس) تجلس إلى جانب الملك (اوزيريس)، وهو تحفة فنية، مصنوع من الحجر الصلب، مُزحرفٌ، ومنقوشٌ على كرسي العرش الذي يجلسان عليه كلمات هيروغليفية (لغة مصرية مصوّرة وقديمة) تروي قصة الخير والشر، الحياة والموت، في مصر القديمة. كما استطعت أيضاً الحصول على تمثال صغير للإبن (الصقر حورس) الذي هو من آلهة مصر القديمة وهو سيد السماء وإله الشمس المشرقة ورمز الملكية المقدسة وحامي الملك الحاكم، ابن ايزيس واوزيريس، وترمز إحدى عينيه إلى الشمس والأخرى إلى القمر.
الابن حورس ولدته ايزيس بعدما نجحت في تجميع أشلاء زوجها اوزيريس الذي قتل على يد أخيه "سِت". ولد حورس على ضفاف نهر النيل وهو الوريث الأسطوري لعرش مصر الملكي. والمصريون (الفراعنة) اعتبروا أنفسهم من أتباع حورس.

 

1
البحث عن حورس


ليس هناك صعوبة تذكر في الوصول إلى ميدان الحسين، حيث الأزهر وخان الخليلي. فالمكان المشهور تصله بدولار من وسط القاهرة بالتاكسي. ويستقبلك خان الخليلي (السوق الشعبي المصري) في زقاق طويل يدلف إلى ميدان الحسين والأزهر الشريف والمطاعم المترامية الأطراف. المهم في الأمر أن الحاجة التي يمكن أن تأكلها بجنيه مصري واحد يصبح ثمنها خمسة جنيهات في ميدان الحسين (نظراً للمكانة الدينية واستغلالاً للفقراء المصريين المتدينين)، والطريف في الأمر، أن الجودة تقل خمسة مرّات بالرغم من كل ذلك.
كان الشيف محمد الظريف (له محل للمشاوي في ميدان الحسين) لطيفاً وجاداً في وصف الأماكن، وكأنه يقوم بمهمة وطنية. وقد أشار لنا إلى الزقاق المؤدي إلى مقهى "الفيشاوي" المشهور حيث كان يجلس دائماً عميد الرواية العربية نجيب محفوظ  الذي حاز على جائزة نوبل العالمية للآداب. المقهى مكتظ جدا، وفي زقاق معتم ضيق تختلط فيه المقاعد بالطاولات بالناس، المارة بالشحادين، الباعة المتجوّلين من مختلف الأصناف  بالمطربين والأولاد الصغار الذين يطبّلون على المقاعد ويروون الحكايات لزبائن المقهى من أجل بعض القروش.
مقهى الفيشاوي الذي صار قبلة للسيّاح وزوار مصر وعشاق الأدب المصري، نظراً لموقعه في زقاق ضيّق يجعله عرضة للزحام ومضايقات المتسوّلين الذين يرتدون رداء الباعة أحياناً. ربع ساعة كانت كافية لنا للإكتفاء من هذا المقهى إلى الأبد وعدم التفكير بالعودة إليه  بعد وجبة من المضايقات المذهلة من العابرين.
أحد أبناء يوسف الدهّان كان لطيفاً، وهو يدير مطعماً باسم (مأكولات أولاد يوسف الدهّان). استغربت إلمامه بتاريخ السينما المصرية، وقال لي بأن الأفلام الأولى كانت منتجة على يد فلسطينيين هما بدر وإبراهيم لاما (الأعمى)، وطلب مني أن أذهب إلى "معهد السينما " في منطقة الهرم (شارع الهرم) للبحث عن أفلام هذين الرائدين في السينما المصرية.. وأن لا الجأ إلى  باعة الأشرطة المتجولين أو محلات بيع الأشرطة لأنها لا تمتلك تلك الثروة من الأفلام بالأسود والأبيض في الفترة الزمنية ما بين (1927-1951). أنا لم أرضخ وكنت على ميعاد مع تاجر أفلام سينمائية عتيقة في خان الخليلي. كانت مهمتي أشبه بالبحث عن الصقر حورس، والسينمائيين (بدر) و (إبراهيم) لاما، وهما من أصل فلسطيني،  ومن روّاد صنّاع السينما في مصر. حورس له عين هي الشمس والعين الأخرى هي القمر، وكذلك كان بدر وابراهيم لاما من خلال الكاميرا السينمائية التي أحضراها لمصر. هما عينا حورس في السينما.
صديقي حسن قزاز، يقوم بكتابة دراسة ماجستير في الأفلام الروائية المصرية التي تناولت القضية الفلسطينية، وقد قام بحصر ما يقارب الـ 22 فيلماً في مرحلة معينة،  كعينة للدراسة، ولكن هيهات الوصول إلى تلك الأفلام  في مصر (أم الدنيا). محل السمعيات والبصريات التابع لهيئة الإذاعة والتلفزيون (أو الذي يوحي بذلك نظراً لقربه من هيئة الإذاعة والتلفزيون)، قام بتأمين 8 أفلام حديثة الإنتاج و 14 فيلما عجز عن تأمينها نظراً لأنها تخضع للحماية  وحقوق الملكية الفكرية. كل شيء موجود في مصر أم الدنيا لكنك لا تستطيع الوصول إلى كل ما تريد.
المشهد ذاته في مكتبة مدبولي في ميدان طلعت حرب، يمكنك أن تجد بعض عناوين الكتب حديثة الإصدار ولكنك لا تستطيع الحصول على كتب تريدها أنت وتعتقد أنها ينبغي أن تتوفر في هذه المكتبة العريقة. حاولنا على سبيل المثال التعرف على عناوين كتب في السينما فلم نجد إلا بعض كرّاسات اعتلاها الغبار. هذا الأمر يؤكد لنا أن القراءة من الكتب الورقية ما عادت بمثل عهدها.
خان الخليلي جميل كسوق ومليء بكثير من التحف والهدايا والمصنوعات الشعبية المصرية التي تلهم الزائر وتدفعه للشراء. شخصيا اشتريت تمثالاً حجرياً مزخرفا بالكتابة الهيروغليفية للملكة إيزيس والملك أوزيريس. وهما من ملوك مصر. وحسب الأسطورة التاريخية قصتهما تتحدث عن الخير والشر. فقد تعرض الملك على يد أخيه للموت والقتل تقطيعاً لكنه عاد حياً من عالم الموت أكثر من مرة وينجب من زوجته الإبن حورس صاحب العينين الكبيرتين (الأولى شمس والثانية قمر)، وربما قصة الملك والملكة تشير إلى بداية الخلق الفرعونية وما صاحبها من آلام.
الفنان جمال (أبو أحمد)  يرسم بورتريهات المصريين ويجلس على رصيف في ميدان الحسين ليرصد ملامح المارين على هذا الحي. كان سعيداً حين قمنا بتوثيق عمله (بالصوت والصورة) وهو يرسم  أحد المصريين الجالسين. الكل مسرور في المحيط. حتى  أن بائع الشاي المتجوّل استفاد من الجمهرة ليبيع  كاسات الشاي المصري على الواقفين. الفنان يخط  بهدوء إطار الوجه ويبقي على التفاصيل في النهاية، فلا شيء دون إطار. ويمكن بتحديده هذا الإطار الدخول إلى الملامح الأخرى. تماماً مثل الأهداف، فيقوم الفنان بتحديد أبرز الملامح للوجه ومن ثم يدخل آخر الرتوش في لمسة فنيّة فاحصة وذكية.

 

2
الحجيج المصري للنيل و"ميدان التحرير"


نهضنا مبكراً للذهاب إلى جامعة القاهرة  لكي يقابل صديقي حسن قزّاز المشرف على رسالة الماجستير الدكتور نبيل طلب. وفعلا استطاع الحصول على توقيعه وموافقته على مشروع الدراسة (الموضوع والمشكلة والمنهجية والإطار النظري). بعد الموافقة أصبحنا أحراراً في القاهرة، وتجوّلنا في ميدان التحرير وشوارع القاهرة ووسط البلد، بما فيه الكفاية واحتفلنا باحتساء عصير قصب السكر وتناول عشاء فاخر في مطعم "فلفلة".
جامعة القاهرة من أضخم الجامعات في الشرق الأوسط وعدد طلابها يقارب الثمانماية وخمسين ألفاً، اي قـُرابة المليون طالب من كل أنحاء الدنيا. كلية الإعلام في جامعة القاهرة فيها عدة تخصصات وتستقطب  مئات الطلبة وأنشطتها ذائعة الصيت. بعد أن حصل صديق على موافقة المشرف وتوقيعه أصبحنا أحراراً في زيارة مدن أخرى غير القاهرة، وكان الهدف (الاسكندرية)  بعد اعتصامات ميدان التحرير لإسقاط المجلس العسكري والمشير!!!.
جلسنا في مقهى شعبي (مقهى حكاية) في شارع فرعي من منطقة الجيزة. شربنا الشاي المصري والماء البارد والقهوة العصملي وأخذنا قسطاً من الراحة، وذلك لاستكمال السير في شارع مراد الذي يتفرع إلى أحياء مثل "العجوزة" و "الدقي" وغيرها. في ذلك المقهى النشط حركة زبائن مستمرة، فأصحابه حريصون على تقديم الماء بالثلج (الثلج لم ألحظه في مقاهٍ أخرى) ويُظلل المدخل أشجارُ "بنسيان" ضخمة.
من شارع مراد،  وبعد تجوال طويل عبوراً لجسر قصر النيل، مررْنا بمتحف "محمود مختار" (وفيه أشهر اللوحات العالمية، وقبل سنوات قليله سرقت منه لوحه وضعت كافة المسؤولين في مصر موضع مساءلة) ومشينا بجانب"حديقة الجزيرة"، ثم انتقلنا إلى "وسط البلد" حيث المطعم المصري المعروف "فلفلة".
اليوم: الخميس. ميدان التحرير يصبح مُلكاً للناس مساء كل خميس وطوال يوم الجمعة (جمعة الثوار)، جتى بعد مرور ثمانية أشهر من إنجاز ثورتهم هناك. لا يستطيع الناس التجمهر إلا في هذين اليومين. ينسحب العسكر ويتركون الميدان للناس الذي يُحوّلونه إلى (هايد بارك) يتناقشون في السياسة وأمور الدنيا وأحوال مصر.
بقايا الثورة وجيوبها ما زالت مُصِرّة على "الثورة المستمرة"، بينما أحزاب المعارضة التقليدية والأحزاب الجديدة القوية اعتبرت أن الثورة قد انتصرت وآن أوان البناء والتغيير وإعادة دورة الحياة إلى طبيعتها.
وكأن صراع الإرادات والأفكار ما زال محتدماً في مصر، وميدان التحرير يرتاده الثوار، صُنّاع ثورة 25 يناير، بحنين دائم لأيام الانتفاضة المصرية الكبرى، على اعتبار أن الميدان ميدانهم. وهم يسيّرونه كما يشاؤون. لهذا السبب، نلحظ انسحاب العسكر من الميدان مساء الخميس ويوم الجمعة.
ونظراً لأن الأمور غير آمنة في ظل غياب العسكر (أي الأوضاع غير طبيعية) انسحبت كراسي مقهى "نادي وادي النيل" ومقهى " التحرير" إلى الداخل بعد أن كانت متناثرة على الرصيف طوال أيام الأسبوع الطبيعية. انسحاب العسكر من الميدان يعني أنهم لا يريدون الصدام مع الشعب الذي انتصرت ثورته ويحمل في صدره عنفوان الانتصار ونشوة البطولة.
جماليات ميدان التحرير يومي الخميس والجمعة، تتلخّص في هبوط المئات أو الآلاف من الشباب إلى هناك. يلتقون ويستعيدون بذاكرتهم أيام ثورة 25 يناير2011 التي استمرت ما يقرب الـ 18 يوماً وانتهت بهدم نظام حسني مبارك ومحاكمة أبرز رموزه. هناك سمعت القصائد النارية والخطب العصماء والنكات المتعلقة بالبلطجية وصيحات الباعة والمقهورين من البروليتاريا الرثة.

 

3
غزوة "السفارة في العمارة" ويوم
سقوط العلم الإسرائيلي

بدأنا يومنا بصحنين من "الفول" و"الطعمية". الفول الذي غرق  بزيت الزيتون وخبز الذرة (العيش) بالإضافة إلى الطـَعْمية المقرمشة (فلافل) فعلت فعلها فينا. شخصياً، غرقت في نوم مفاجئ أثناء المسير بالميكروباص من محافظة 6 أكتوبر للقاهرة. لمّا هبطنا في الجيزة وعلى ناصية شارع العشرين المتفرّع من شارع الملك فيصل، كان كوب عصير قصب سكر طازج ينتظرنا ليكون المعادل الموضوعي للوجبة المصرية الفاخرة.
شارع العشرين المكتظ بالمارة والحافلات المتعددة ظهر مثل "مشهد بعد معركة".  فالغبار المتصاعد وحافلات "التكتك" المتناثرة كفئران هائجة، ورائحة عوادم السيارات، جعلتني أختنق. كما أن الرمل الذي يملأ العينين جعل الرؤية ضبابية في وضح النهار وزاد الضجيج المكان صخباً ونكهة لا مثيل لها إلا في مشاهد تلفزيونية لأفلام من زمن الحرب العالمية الثانية.
انعطفنا إلى مقهى (سيد  أبو ركبة). هناك انتظرنا السمسمار الذي سيدلّنا على البيت الذي استأجرناه في القاهرة بعد مبيت لمدة سبعة أيام في مساكن (6 أكتوبر).
من خلال الإقامة في القاهرة، أكون أقرب من الحدث وسخونة الثورة. فالتاسع من سبتمبر كان مبشراً بأحداث مثيرة. شربنا (صاروخ- سبرايت) وانتقلنا إلى المنزل الجديد.
لم يرحمنا الضجيج والجو الرطب والحار والبعوض من النوم بعد عناء السفر ونقل الامتعة. طلبت من صديقي الذهاب إلى ميدان التحرير وترك كل شيء لحين العودة. صاحب المنزل تلكأ في الوصول وضيّعنا ساعات كثيرة في الانتظار، إلى أن شرّف المالك أخيراً وبيده عقد الإيجار. غادر المالك الشقة عند منتصف الليل تقريباً.
هاتفت صديقي السينمائي المصري لاصطحابه إلى ميدان التحرير. كنت بحاجة إلى وصف الحال في الميدان. كانت الأمور تتجه نحو التصعيد بالقرب من السفارة الإسرائيلية. وبدأت الفضائيات قبل بزوغ الفجر تنقل أحداث اقتحام "السفارة في العمارة". البيانات التي وصلتني من الثوريين لم توحِ بأن هناك إصرار على طرد سفير دولة الإحتلال (إسرائيل) واقتحام مفاجئ. السفير اسحاق ليفانون وطاقم السفارة هربوا على عجل، خشية انتقام الشباب المصري رداً على مقتل خمسة من الجنود المصريين في صحراء سيناء برصاص إسرائيلي دون اعتذار.
إسحاق ليفانون السفير الإسرائيلي في القاهرة لم تسعفه الرسالة النصية التي كتبها معتذراً عن مقتل الجنود المصريين، وكان عليه ترك مصر لأن الشباب المصري لا تكفيه الاعتذارات الخجولة.
اقتحم الثوار حجرة الأرشيف الدبلوماسي في السفارة، وقاموا بإلقاء الملفات في الشارع وانزلوا العلم الإسرائيلي واستبدلوه بعلم مصري.
قطع الجنود المصريين التيار الكهربائي عن السفارة، وأعلن وزير الدا خلية المصري حالة  الطوارئ، وألغى إجازات الشرطة، فقد تم في وقت مبكّر اقتحام مديرية أمن الجيزة  وحرق أحد اقسامها وبخاصة الملفات المتعلقة بالجنايات.
استخدمت قوات الأمن المصرية قنابل الغاز لتفريق المتظاهرين. وانبرت (حركة السادس من إبريل) تطلق الاتهامات على فلول النظام السابق بخصوص اقتحام سفارة إسرائيل لحرف أنظار الناس عمّا يجري في أروقة محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك وأركان النظام السابق.
يبدو أن شعار "تصويب مسار الثورة المصرية" بدأ ينتقل إلى العلاقات الخارجية لمصر ابتداء من العلاقة مع "العدو".
البيان الصادر عن (المجلس الوطني المصري) في السابع من سبتمبر 2011 ، الذي وصلني من أحد الأولاد الصغار في ميدان التحرير بأيام قليلة، تحدّث عن "تهاون واضح في معالجة القضية الوطنية" وأضاف "قوبل عدوان الدولة الصهيونية على الحدود الشرقية مع فلسطين بارتباك وتضارب غير متوقع؛ فتراجعت الحكومة عن قرارها بطرد سفير تل أبيب من القاهرة"، وبيّن البيان أن السياسة الخارجية المصرية "تسير على نفس المنوال السابق" وأنه لا بد من تصحيح المسار. ووصف البيان معاهدة كامب ديفيد بأنها "معاهدة إذعان". وانتقد البيان بيع الغاز للدولة الصهيونية بسعر متدن أقل من تكلفة استخراجه. وانتقد البيان أيضاً حالة الإذعان في اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة (المعروفة باسم "الكويز") التي تسمح للمنتج الإسرائيلي بالدخول في صناعات المنتجات المصرية كشرط من شروط السوق الأميركي في تعامله مع الصادرات المصرية  لسوق الولايات المتحدة. أما "ائتلاف  لجان الدفاع عن الثورة" فقد عبّر عن نفسه بطريقة مشابهة حين ذكر أحد قادته بأن إسرائيل تسرق قوت المصريين وغازهم ببلاش.

 

4
وداعاً للسيدة "بائعة الشاي".. والسفر إلى الأسكندرية للإستجمام


كانت أخبار الصباح في قاهرة المعز تتحدث عن استشهاد ثلاثة مصريين وجرح ما يقارب الألف في معركة اقتحام الثوار المصريين للسفارة الإسرائيلية. لم نَـنَم طوال الليل ونحن نتابع عملية الاقتحام المثيرة والتي كانت أشبه بعمليات كرّ وفر.. حتى مطلع الفجر.
خلدنا للنوم صباح العاشر من سبتمر تحضيراً لرحلة (الاسكندرية). في المساء، وبعد ساعة من الإنطلاق إلى موقف الحافلات اكتشفت أنني نسيت بطارية الكاميرا والشاحن وكان في الأمر نكسة اسكندرانية مبكرة. لم يكن بالإمكان العودة إلى الشقة وانتظرنا اكتمال عدد الركاب حتى ننطلق إلى مدينة (ريّة وسكينة).
ونحن في الانتظار، كانت الحافلات ترقد في حفرة مليئة بالنفايات، تعرفنا على "بائعة الشاي" السيدة نادية، أم الأربعة أطفال. ذكرت لنا أن المياه التي تستخدمها في الشاي نظيفة والنعناع تبله بالماء الساخن قبل إلقائه في الكأس المعقّم. وعندما تحدثنا عن النفايات المحيطة والتي يغرق بها المكان، قالت أن الناس يقومون بتنظيف  محيطهم وأن جهة ما تقوم كل 15 يوماً بإزالة الزبالة. ونحن في غمرة الحديث جاء زوج اخت نادية وألقى بين يديها طفلاً نائماً قال لها أن تحتفظ به على قدميها حتى تعود أختها من عملها. كنت أخشى أن تدلق الماء الساخن على الطفل وهي تنقله بغلاية قهوة من طنجرة (حلّه) تغلي على غاز في الجوار.
نسيت أن أذكر ان الطفلين الصغيرين (محمد وفاطمة) كانا يقومان بمهمة التجوال بين الحافلات لجمع الكاسات التي فرغ منها السواقين والزبائن. ولم تغفل نادية ذكر ابنتيها في المنزل (القائم في 6 أكتوبر) اللاتي لم يدخلن المدرسة. ولكنها أكّدت لي أن الأمية لن تشمل محمد وفاطمة وستعمل على إرسالهما للمدرسة. أضيف أن السيدة نادية بائعة شاي تعمل من الساعة السادسة مساء حتى الساعة السادسة صباحاً، وتُسلّم "الطبْلية" لامرأة أخرى تعمل من الصباح حتى السادسة مساء. وتدفع نادية عشرة جنيهات بدل استئجار أدوات صنع الشاي والمكان لمدة 12 ساعة يومياً.
رتّبت في رأسي الأهداف الخمسة التي ينبغي صنعها في الإسكندرية على البحر الأبيض المتوسط (ولأنني لم أكتب أهدافي على ورق، لم تتحقق جميعها وأصاب أهدافي المشتهاة خيبة أمل كبيرة):
ـ أن أُحَمّل أمواج البحر سلامات لشاطئ فلسطين وأهلنا في الأرض المحتلة، وأقول لهم مشتاق لكم.
ـ زيارة مكتبة الاسكندرية.
ـ زيارة المكان الذي قتل فيه (خالد سعيد) على أيدي الشرطة المصرية، وكان السبب في اندلاع الثورة المصرية في الخامس وعشرين من يناير2011. ونتذكر معاً صفحة "كلنا خالد سعيد " على موقع الفيسبوك التي ألهبت ضمائر الشباب المصري وأوقدت ثورتهم المظفّرة.
ـ السباحة في "المعمورة " في البحر الأبيض المتوسط .
ـ أكل وجبة شهية من السمك الإسكندراني.
بكل أسف، لم يتحقق من تلك الأهداف الخمسة الرئيسية سوى الهدف الأخير، بأن أكلت وجبة سمك (بوري) فاخرة وشوربة "فواكه البحر" بقليل من الجمبري.
تأكدت فعلاً أن الأهداف غير المكتوبة يتعثر تحقيقها، وفي الغالب كنت كل يوم أكتب في دفتر صغير ماذا اريد، ولكن في رحلة الأسكندرية لم تكن (على هدى) بالرغم من الضيافة الاسكندرانية والإقامة الطيبة على "شاطئ شهر العسل" وشارع درويش الذي يتفرع منه شارع سلّومة.

 

5
مصر :عبقرية شعبية

أربعة أيام وثلاث ليالي مبيت في الاسكندرية كانت كافية للتجوال على شاطئ الإسكندرية والاستمتاع بالجلوس مساء على أطراف البحر للتأمل في أمواج البحر العاتية التي تتكسر على الكتل الصخرية والاسمنتية بالقرب من القلعة العثمانية (قلعة قايتباي)، وكذلك الأمر السير مطولاً على شاطئ (ميامي) في الجهة المغايرة  لاتجاه القلعة. الإسكندرية لها ملامح عمرانية امبراطورية وتنطق عن عبقرية مصرية أخرى.
تركنا الاسكندرية متوجهين إلى القاهرة، حيث كان ينبغي علينا تسليم الشقة في الطابق الثاني وتبديلها بشقة في الدور الحادي عشر. النظر إلى أسطح المنازل والعمارات والأبراج في القاهرة من ارتفاع كبير نسبياً يجعلك تطل على لوحة فنية كبرى ومشهد رمادي على مدى البصر. حجارة وقطع خشب  وغبار ورمال تملأ أسطح عمارات القاهرة. لا حياة على الأسطح بينما  واجهات الأبراج والعمارات تضج بالحياة  والصخب والنوافذ تتكلم لك بلهجة مصرية وتنطلق منها أحياناً أغنيات المطربة الشعبية "أمينة" مثل : "ده عينه منّي ـ بشويش عليّا" ، " الحنطور" ، " أخيراً اتجوزت "، و " آخرة الجواز".
في اليوم التالي صباحاً غادرت القاهرة في رحلة العودة إلى عمّان. وعلى يسار شارع 6 أكتوبر المؤدي إلى مطار القاهرة الدولي (في مدينة نصر  ومصر الجديدة ) كان بامكاني مشاهدة قصر الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك.

قد يهمّكم أيضا..
featured

قانون "الخدمة الوطنية" ضد الاقلية العربية!

featured

حكم تعسفي على جرّار

featured

أطماع غربية في الشام

featured

تسقط سياسة راعية الإحتلال!

featured

مين أصدق عيني أم الخرافة

featured

من فمك ادينك

featured

في ذكرى ميلادي الثانية عشرة: رسالة الى أبي (رحمه الله)