في يوم من أيام الصيف الحار والقائظ عشية افتتاح السنة الدراسية الجديدة غادر الفتى القرية، اعتلى الحافلة ليحط رحاله في قرية الرامة الجليلية ليواصل تعليمة – وليبدأ في المرحلة الثانوية، حاملا معه آمالا وردية،وشعورًا بالغبطة والسرور، يهدهد أحاسيسه، سرح خياله وجمح، ليجلسه على مقعد الدراسة مع زملاء ومعلمين جدد يصيخ السمع اليهم بكامل احاسيسه، استفاق من شروده ليشعر بثقل ما حمله من عادات، وتقاليد بالية، تشرّب بها منذ نعومة اظفاره – من والد تقي ورع اورث ابناءه، قصصا، وحكايات، ومعتقدات، وخرافات ما انزل الله بها من سلطان اورثهم ليؤمنوا بوجود الغول، والقرينة والاصابة بالعين والايمان بالسحروالحجاب والفتح بالمندل وصدق الحسّابات في فنجان القهوة، وقراءة الكف، والضرب بالرمل والجن وقدسية، بنات العين والمقامات للالأولياء الصالحين، وربط ثم الوحش عن الدابة اذا ما هشلت اورثهم عقيدة ان الصخرة في مسجد القبة تسبح في الفضاء منذ معراج الرسول الى السماء فلحقت به الصخرة، فخاطبها الرسول وقال لها (هدي يا مبارك) استجابت له. وتوقفت عن اللحاق والصعود ظلت تسبح في الفضاء، آمن والده بهذه المعتقدات رغم الكثير من الانتكاسات التي حدثت لمعتقداته.
وذات ليلة وعندما ادلهم الليل افلت حمار العائلة من عقاله وهشل لم يساوره القلق،ولم يخالجه خوف تناول سكينه من جيبه وراح يقرأ ويمرر اصبعيه الشاهد والابهام على حد السكين. انتهى من تلاوته واقفل السكين ونام ليلته هادئ البال نوما هنيئا وسباتا عميقا نهض في الصباح، ومع شروق شمس ذلك اليوم وراح يبحث عن حماره عند مشارف القرية فعاد ممتقع الوجه شاحبا، يضرب كفا بكف حزينا وجد الذئاب قد نهشته والضباع تناولته فاستفزه الفتى قائلا: مش ربطت ثم الوحش عن الحمار فرد قائلا: يظهر ان حد السكين كان مثلوما.
ومن عادته وعند الانتهاء من كل صلاة كان يرفع يديه ويبدا بالدعاء والتضرع الى الله وكان يسمعه يقول اللهم اغفر لي ولوالدي اللهم اغفر لكل المسلمين والمؤمنين اللهم ارزقنا رزقا حسنا طاهرا ونقيا ثم يبدأ بالدعاء اللهم حطم جيوشهم وحطم دباباتهم وطائراتهم ورمل نساءهم يا رب العالمين.
ومن عادته أيضا وفي كل سنة من شهر رمضان كان يقيم الليل بالصلاة ويقضي العشر ليال الأخيرة من رمضان ليضمن نزول ليلة القدر. ليلة القدر خير من الف شهر (ص) والدعاء فيها يستجاب والتضرع يرتجى، وعندما انهزم العرب وحلت النكبة ظل مستمرا في رفع دعائه – اللهم حطم دباباتهم وجيوشهم، فضاق الفتى ذرعًا وصرخ قائلا كفى دعاءً احتلوا البلاد ووقعت الكارثة وامضيت حياتك وانت تتضرع في ليالي القدر الم تفتح باب السماء مرةً واحدةً ليستجيب الله لدعائك. فنهره قائلًا اسكت يا ولد هذا شغله ولا يحمد على مكروه سواه.
غادر الفتى القرية وترك وراءه بيوتًا من طين حولها الحواكير يحيطها سلاسل من حجاره.. والصبار ينتشر في الحواري بكثرة في القرية. شوارع مليئة بالتراب،الحمير والابقار والبغال سائبة فيها ومكاره عديدة حظائر للأبقار والماعز اقنان الدجاج واقفاص الحمام على سطوح المنازل تسلح زرقها متى واينما شاءت، الذباب والناموس يتطاير في الجو ويملأ البيوت، دخان الطوابين يتصاعد ويشكل غيمة رمادية في سماء القرية، شح الماء والنساء يعتمرن الحطات يرتدين الملابس الطويلة والسراويل حتى الكاحل والمرأه محظور عليها مجالسة الرجال او مخاطيتهم، والرجال يرتدون القنابيز والكوفيات والعقًل ويقضون أوقات فراغهم في الدواوين يحتسون القهوة ويشعلون السجائر.
عند وصوله فوجئ بما شاهدهمن بنايات شاهقة جميلة شيدت من الحجارة او الاسمنت، الشوارع نظيفة مرصوفة بالبلاط نوافير المياه في الاحياء حدائق امام البيوت تغص بالازهار والرياحين تعبق بالروائح العطره وبالشذى الندي.
والمرأه حاسرة الرأس عارية الذراعين مكشوفة الساقين تجالس الرجال وتحدثهم بحرية بلا ريب او خجل استهلك الفتى وقتًا طويلا حتى استوعب الجو الجديد وانسجم مع الواقع وتعاطى معه، ولكن ظلت الأفكار البالية والخرافات التي ورثها مشرشة ومتجذرة في ذهنه راسخة لم تتغير.
وذات يوم وفي السنة الأخيرة من دراسته دخل الصف معلم التاريخ والجغرافيا الذي كان يلم الماما كاملا في الموضوعين. اكتسب اعجاب الطلاب به وكان الطلاب يكنون له الاحترام والتبجيل وكان معلمًا جادًا وجدّيًّا عبوسا لم تطرق البسمة شفتيه امام طلابه يوما، وكان قد عاد من زيارة للاماكن المقدسة في القدس العربية تحت الحكم الأردني، كانت السلطات الإسرائيلية قد سمحت للطائفة المسيحية بالحج الى كنيسة القيامة في القدس فانتهز الفرصة وزار كل الأماكن المقدسة فاخذ يشرح لطلابه عن معالم تلك الأماكن تاريخًا ورونقًا وجمالًا، وفي سياق حديثه تطرق الى مسجد قبّة الصخرة ومما قاله ان الصخرة جاثمة على الأرض فهب الفتى وبحماس عارم يقاطع الأستاذ قائلا له. أنت تخالف الدين الإسلامي وتقول أشياء مغايرة لتعاليم الإسلام فالصخرة سابحة في الفضاء منذ ان عرج الرسول الى السماء.
كانت المفاجأة للطلاب ان المعلم ابتسم للطالب وهذا ليس من شيمته عند المقاطعة واقترب منه بهدوء ورويّة وصبر راح يحدثه لينتزع من ذهنه رواسب موروث الماضي من خرافات ومتاهات عششت عنده على مدار سنوات. مؤكدا له وللطلاب انه اقترب منها وشاهد بأم عينه ولامسها بيديه فكانت جاثمة على الأرض وقال من اصدق عيني ويدي ام الذين اوهموك وغدروا بك. فجلس الفتى واطرق يفكر بما أكده الأستاذ فسأله الأستاذ هل سكوتك عن مضض ام عن قناعة فأجاب عن قناعة مبديًا تأسفه لمقاطعته ومنها اخذت تتهاوى تلك الرواسب وتتساقط تلك الخرافات لينجلي فكره.
فعاد الأستاذ وابتسم ثانية فانفرجت اسارير الطلاب وراحوا يصفقون للأستاذ على ابتسامته التي لم يتعودوا عليها. طيب الله ثرى استاذنا – غطاس غطاس المكرم والمبجل.
(عرابة)
