خطاب الأسد. أسئلة!

single

الأسد يلقي خطابه.. ألا يستحق الشهداء المدنيون والعسكريون أية لفتة قيادية إنسانية؟!

  • جاء في الخطاب: "الآن يوجد قوى سياسية جديدة وهناك من يطرح مشاركتها، وكلما وسعت المشاركة كان أفضل من كل النواحي، وتوسيع الحكومة فكرة جيدة ونرحب بمشاركة كل القوى السياسية".. إذا كان الأسد استوعب اليوم فعلا ما يُفهم من هذه المقولة، فإن امتحانه هو في الوفاء والتطبيق.. خلاف ذلك، قد يتحقق السيناريو الأسوأ والأخطر. وعندها سيتحمّل هذا النظام كامل المسؤولية. فمن السّخف تحميل قوى الإمبريالية والنفط أية مسؤولية، لأن هذا ما تريده، هذه هي حقيقتها البغيضة التي يجب كسرها. السياسة تحتاج لبعض المنطق!
  • يقول الرئيس السوري إن أهم ما يحتاجه موقع المسؤولية القيادية هو الدعم الشعبي. هذه مقولة ثاقبة، لكنها مثيرة للغضب والحزن معًا حين تأتي من شخص مثله. فهو محقّ بوجود تآمر تلعب فيه أنظمة النفط دور الخادم لدى سادة الامبريالية. وهذا هو بالضبط الوضع الذي يستدعي التحالف مع الشعب لنيل دعم الشعب. ولكن هل هذا ما فعله هذا النظام؟ لا طبعًا. لقد فتح النار على الاحتجاجات السلمية فساهم في زرع حالة من الاحتقان والفوضى راحت تستغلّها المجموعات المستقوية بقوى الامبريالية والنفط

 

في 11 شباط الماضي، حين أعلن عمر سليمان تخلي حسني مبارك عن منصبه، ألقى ناطق باسم المجلس العسكري المصري بيانًا توجّه فيه "بكل التحية والإعزاز لأرواح الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم فداء لحرية وأمن بلدهم". وفي لفتة تركت انفعالا خاصًا في نفوس المصريين وغيرهم، أدّى التحية العسكرية للشهداء. ليس هذا مديحًا "للمجلس" بل إشارة الى موقف إيجابيّ محدّد كان لا بدّ له من اتخاذه أمام ثورة مصر العظيمة.
هذا الأسبوع، حين أطلّ الرئيس السوري بشار الأسد في خطاب طويل جدًا، لم يقدّم أية تحية للشهداء. لم يقف دقيقة صمت على حياة آلاف السوريين. لم يذكرهم بأية لفتة لائقة.
كيف يمكن لرئيس يريد معالجة أخطر أزمة في تاريخ سوريا الحديث، كما وصفها بحقّ، ألا يفطن لوقفة قيادية وإنسانية تحترم دماء السوريين، من مدنيين وعسكريين. يبدو أن الأمر ليس مجرّد هفوة نابعة عن العجَلة؛ هذا يعكس قيمة الانسان المواطن الفرد في نظر وعقل وقلب (!) هذا النظام.
"إنقشع الضباب"، قال الأسد، ولكن غمام الحزن لا زال يتلبّد فوق سماء الشام؛ حزن لم يمنع هذا الرئيس غريب السلوك عن التنكيت والضحك في خطابه، كما فعل في خطابات سابقة، وفي مقابلة متلفزة واحدة. في إحدى المرّات قلت لنفسي: من هو المستشار الحمار الذي ينصحه بأن يضحك ليُظهر ثقة بالنفس وصلابة؟ لكن يبدو أن المسألة ليست مستشارًا ولا حمارًا. هذا رئيس لنظام قادر على القهقهة مقابل حشود القتلى. وهؤلاء الشهداء الأعزّاء (لمن سيتبجّحون!) معظمهم مدنيون أبرياء عزّل، باعتراف الأسد نفسه، جزئيًا على الأقلّ.
لقد أصاب الأسد بدقّة حين اعتبر الأنظمة العربية التي تدعو للديمقراطية في سورية، تفتقر الى أدنى معرفة بالديمقراطية. نعم، إن ممالك وإمارات النفط الخانعة العميلة فاقدة الإرادة هذه، لا تملك أدنى حق في الوعظ عن الديمقراطية والحريّات؛ هذه المطايا الملجومة في حظيرة إمبريالية واشنطن وحليفاتها، حريّ بها أن تسدّ أفواهها بالنعال.
ولكن، هل من المعقول أن نمرّ مرّ الكرام على مفاخرة الأسد بأن البرلمان السوري الأول يعود للعام 1919؟ هل أبقى نظامه ونظام والده أيّ روح لبرلمانٍ في سوريا؟ عمّاذا يتحدّث بالضبط؟ عن برلمان نظام الحزب الواحد؟ عن برلمان سحق فيه النظام أية معارضة منظمة حقيقية في الشعب واحتكر السلطة في جمهورية تتصرّف كأوضَع إمارة؟ إن انتقاد الأسد اللاذع لممالك وإمارات النفط الخانعة في الشأن الديمقراطي ينطبق على حضرته 100%.
لقد أصاب الأسد بدقّة أيضًا حين قال إن الجامعة العربية مرآة لوضعنا العربي المزري. ولكن ألم يكن النظام الذي ورث رئاسته مركبًا أساسيًا في هذه المؤسسة ووضعها المزري؟ هل يظن نفسه لاعبًا محايدًا حقًا؟ مصيبة!
يتساءل الأسد بحقّ: هل حالت الجامعة العربية دون مقتل عدد هائل من العراقيين؟ ولكن هل يذكر دور نظام والده في الحرب الوحشية إياها على العراق؟ هل يظنّ أن بوسعه تزييف التاريخ وطمس حقيقة ضلوع النظام السوري في المشروع الإمبريالي لتدمير العراق، ودفع 14500 ضابط وجندي سوري في الحرب القذرة بالإضافة الى سائر التسهيلات الميدانية والسياسيّة لاقتراف الجريمة؟ إن نظام سوريا كان متورطًا حتى أذنيه في جريمة وعمالة الأنظمة العربية ضد شعب العراق.
كذلك، أصاب الأسد بدقة حين قال إنه في الأزمات التي تتهدّد فيها الأوطان تقف الأمم صفًا واحدًا، أما خلافاتها فتحلّها في صندوق الاقتراع. ولكن هل كان الطريق تحت نظامه حرًا ومتاحًا أمام الشعب السوري في أية مرة الى صندوق الاقتراع؟ أصلا على ماذا تحرّك المحتجّون السوريون السلميون – هؤلاء الشرفاء الذين ينكرهم بعض عُتاة الثورجيّة، مع أن الأسد نفسه اعترف بوجودهم في خطابه (رغم أنه أسماهم باستعلاء مقيت "أصحاب النوايا الطيبة"!).
يقول الأسد إن أهم ما يحتاجه موقع المسؤولية القيادية هو الدعم الشعبي. هذه مقولة ثاقبة، لكنها مثيرة للغضب والحزن معًا حين تأتي من شخص مثله. فهو محقّ بوجود تآمر تلعب فيه أنظمة النفط دور الخادم لدى سادة الامبريالية. وهذا هو بالضبط الوضع الذي يستدعي التحالف مع الشعب لنيل دعم الشعب. ولكن هل هذا ما فعله هذا النظام؟ لا طبعًا. لقد فتح النار على الاحتجاجات السلمية فساهم في زرع حالة من الاحتقان والفوضى راحت تستغلّها المجموعات المستقوية بقوى الامبريالية والنفط. بالمناسبة، هذا السيناريو أيضًا وافق عليه الأسد في خطابه، ولكن بدون الشقّ الذي يحمّله المسؤولية. أصلا، فهو لا يتحمّل مسؤولية عن أيّ شيء! المسؤول دائمًا "هم"!
لقد أظهر هذا النظام أنه غير قادر على تحمّل الاحتجاج السلمي، ولو بصورة عدة أطفال من درعا كتبوا شعارات، فتعرّضوا للاعتقال والتعذيب هم وذووهم مما فجّر غضبًا عارمًا. كان هذا هو الفتيل الذي أشعل "الانفجار الكبير" لأخطاء النظام الفادحة التي لم تزدد لاحقًا إلا دموية. وللتذكير: لقد بدا يومها في البداية أن النظام استوعب الخطأ فأقال محافظ درعا، وهو ما شكّل اعترافًا ما بالخطأ، ولكن سرعان ما تبيّن أن عقلية البطش الأمني هي المرجعيّة الأقوى، فتفاقم القمع.
وسط هذه الحالة المعقّدة، فإن من يقسّمون الكون الى معسكرين، واحد مع الامبريالية والآخر مع النظام، إنما يرددون أكاذيب. إنهم يكذبون، على أنفسهم أولاً، مهما صدقت نوايا بعضٍ منهم. هناك سوريون وطنيون وتقدميون لا يحتاجون شهادات من أحد، يرفضون التدخّل الاجنبي في وطنهم – بما فيه تدخّل أنظمة النفط العميلة – لكنهم في الوقت نفسه يرفضون بقوّة إهانة كرامتهم وإنسانيتهم ويطالبون بالحرية لشعبهم أسوة بجميع شعوب الأرض. هؤلاء، ومعم متضامنون وأنصار شرفاء من كل الشعوب العربية وفي كل العالم، ليسوا إرهابيين ولا متواطئين ولا مذدنبين لا للإمبريالية ولا لعلوج النفط ولا لأحد.. هؤلاء شرفاء أحرار يرفضون إدخالهم كالفئران في مصيدة تبقي لهم خيارين بائسين وحيدين: ظلم العدو الخارجي أو ظلم ذوي القربى. لا! إن من يحاول زجّ البشر بين نارين من الذلّ، عليه أن يراجع أخلاقياته الثورية والانسانية من أساسها.
إن هذا النظام الذي تصرّف بدموية وغباء يتحمّل المسؤولية الأولى عن خلق حالة معقدة سارعت لاستغلالها، كالمتوقّع، قوى داخلية متواطئة وأخرى خارجية معادية لمصلحة سوريا الوطنية - هذه المصلحة الوطنية التي لا يزال النظام السوري فاقد القدرة على تمثيلها بفعل غبائه وغطرسته ودمويته في التعاطي مع مطالب شرائح شعبه الشريفة.
لا يملك هذا النظام ورئيسه أيّ حق في الوعظ والتنظير على المعارضة الوطنية الشريفة. ومن واجبه الاستدراك والاعتذار والتحالف مع شعبه لدرء الخطر الحقيقي المحدق بسوريا الغالية، من الداخل والخارج.
جاء في خطاب الأسد: "الآن يوجد قوى سياسية جديدة وهناك من يطرح مشاركتها، وكلما وسعت المشاركة كان أفضل من كل النواحي، وتوسيع الحكومة فكرة جيدة ونرحب بمشاركة كل القوى السياسية".
لقد وعد وتعهّد الرئيس السوري في السابق، وظلّ ذلك كلامًا في الهواء. إذا كان استوعب اليوم فعلا ما يُفهم من المقولة أعلاه، فإن امتحانه هو في الوفاء والتطبيق. فخلاف ذلك، قد يتحقق السيناريو الأسوأ والأخطر. وعندها سيتحمّل هذا النظام كامل المسؤولية. فمن السّخف تحميل قوى الإمبريالية والنفط أية مسؤولية، لأن هذا ما تريده، هذه هي حقيقتها البغيضة التي يجب كسرها. السياسة تحتاج لبعض المنطق!
وملاحظة أخيرة: قال كارل ماركس في أحد تحليلاته الثاقبة "إن النظرية لا تتحقق ابدا في شعب ما إلا بقدر ما تشكّل التحقيق العملي لحاجاته". فأية حاجات ستلبّيها تنظيرات الرئيس السوري في خطابه الطويل؟! وهذه أقولها أيضًا لمن قرروا من طرف واحد احتكار ماركس لحضراتهم، بل خصخصته على مقياس فهمهم الضّحل غير المجتهد لنظريته الثورية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

المعركة على المواطنة

featured

حرية الرأي والتعبير

featured

إستقبال موفاز المرجو!

featured

إسرائيل ــ السعودية: نحو تحالف استراتيجي معلن

featured

إعتراف أمريكي مراوغ ومنقوص

featured

إسرائيل ترفض تحقيقًا دوليًا

featured

كان جيّدا لأكون جيّدا

featured

حنين إلى الماضي من اجل المستقبل