المعركة على المواطنة

single
  • المواجهة الحقيقية اليوم  مع انصار اليمين الاسرائيلي ومع الفكر الذي تطرحه الحركة الصهيونية هي على مركب المواطنة في هويتنا، فقد سلّمت حكومات اسرائيل المتعاقبة بالمركب القومي الفلسطيني والانتماء المطلق له، حتى وان كانت لا تعلن ذلك رسميا بمعنى الاعتراف بالمواطنين العرب مجموعة أقلية قومية لها حقوق في هذه الدولة
  • ان قرار المحكمة العليا قبل اسبوعين بشرعنة قانون المواطنة والذي يحجب الحق عن الالاف من الفلسطينيين والفلسطينيات المتزوجين والمتزوجات من مواطنين عرب في اسرائيل الحصول على المواطنة يهدف اساسا ال تعزيز الغالبية اليهودية في البلاد، ونابع من الهاجس الديموغرافي العنصري

 

 

//بعد نكبة شعبنا الفلسطيني في العام 1948 خاضت الجماهير العربية الفلسطينية الباقية في هذه البلاد معركة لا هوادة فيها للحفاظ على هويتها القومية والثقافية امام المخططات الصهيونية لخلق مجموعة سكانية من الاقلية العربية الفلسطينية منزوعة الهوية مهجنة اطلقوا عليها تسميات مثل "عرب اسرائيل" وكأننا نوع خاص من العرب منسلخ في الاساس عن شعبنا الفلسطيني وعن محيطه العربي عموما.
ورغم حجم آليات القمع القومي التي مورست ضد هذه الاقلية، من حكم عسكري وضرب ستار حديدي منع أي تواصل جغرافي أو ثقافي أو سياسي مع ابناء شعبنا الفلسطيني، وسياسة فرق تسد  وتعزيز النعرات الطائفية والتعامل معنا مللا وطوائف وعدم الاعتراف بنا أقليةً قومية - رغم كل ذلك وبمساهمة اساسية وقيادة الحزب الشيوعي صاغت هذه الجماهير مقولتها التاريخية : نحن جزء حي وواع وفعال من الشعب العربي الفلسطيني"، وحافظت على انتمائها القومي، فرسخت هويتها ليس فقط في أذهان اجيال ما بعد النكبة وانما في وعي المؤسسة الحاكمة! وواجهت هذه الجماهير انكار ذوي القربى من الشعوب والانظمة العربية التي تعاملت معنا في احيان كثيرة باساليب التشكيك في عمق انتمائنا وصدقه وبالقطيعة احيانا اخرى، وانتزعت بصمودها الاعتراف بخطأ السياسات القديمة تجاهها مرسخة الوعي لخصوصية قضيتها. لقد تجاوزت الجماهير العربية مرحلة الدفاع عن هويتها القومية بمفهوم الدفاع عن هذا الشق في هويتها المركبة، والمتناقضة عضويا احيانا بين الانتماء القومي وانتماء المواطنة.
ان القرار االواعي والحكيم الذي اتخذته هذه الجماهير بقبول المواطنة الجديدة التي فرضت عليها بعد النكبة في دولة اسرائيل، انطلقت اساسا من الوعي السياسي العميق لمقولة "نحن أهل هذا الوطن، والذي لا وطن لنا سواه حتى وان جوبهنا بالموت "، ومن الفهم التام ان هذه المواطنة هي احدى اليات الصمود في هذا الوطن، هذا هو الدافع المركزي وراء معارك الهويات التي قادها الحزب الشيوعي وابطاله ابان الحكم العسكري، النضال لم يكن مبنيًا على الرغبة في الانتماء الى الدولة التي بنت ركائزها على انقاض شعبنا، وعلى تدمير قرانا ومدننا وتشريد أهلها وتحويلهم الى لاجئين في الدول العربية المحيطة او حتى لاجئين داخل الوطن وانما رغبة في التسلح ببطاقة هوية تكفل البقاء وتمنع عمليات ترحيل وتهجير مستقبلية وحسنا فعلت.

  • المواجهة الحقيقية الراهنة


اليوم ،المواجهة الحقيقية مع انصار اليمين الاسرائيلي ومع الفكر الذي تطرحه الحركة الصهيونية هي على مركب المواطنة في هويتنا، فقد سلّمت حكومات اسرائيل المتعاقبة بالمركب القومي الفلسطيني والانتماء المطلق له، حتى وان كانت لا تعلن ذلك رسميا بمعنى الاعتراف بالمواطنين العرب مجموعة أقلية قومية لها حقوق في هذه الدولة. أكثر من ذلك، بدأت هذه الاطراف باستغلال الهوية القومية الفلسطينية المتبلورة لدى الاقلية العربية في البلاد سلاحا ضدها ومنبعا لسلسلة من القوانين تنتقص من حقها بالمواطنة الكاملة المتساوية وغير المنقوصة. ما يزعج قيادات الدولة بمجمل اجهزتها هو مواطنتنا، وحقنا الذي لم نتنازل عنه يوما في صياغة مضمون هذه المواطنة، أي شكل من المواطنة تسعى له الجماهير العربية في هذه البلاد، ومدى اصطدام هذا الشكل بمفهوم وطابع الدولة التي نحيا فيها.
ان قرار المحكمة العليا قبل اسبوعين بشرعنة قانون المواطنة والذي يحجب الحق عن الالاف من الفلسطينيين والفلسطينيات المتزوجين والمتزوجات من مواطنين عرب في اسرائيل الحصول على المواطنة يهدف اساسا ال تعزيز الغالبية اليهودية في البلاد، ونابع من الهاجس الديموغرافي العنصري. وطرح القرار على الساحة الاسرائيلية الاكاديمية والقانونية نقاشا مستفيضا حول شرعية الحفاظ على تعريف يهودية الدولة بأي وسيلة كانت وبثمن التضحية بالشق الاخر لتعريف الدولة بمعنى الديموقراطية. لقد وضَع قرار المحكمة العليا هذا، والقانون بذاته شأن مجموعة من القوانين الاخرى التي سنت في البلاد مثل قانون النكبة وقانون "لجان القبول"، مسألة التناقض الحتمي بين يهودية الدولة وديموقراطيتها. واعترف قضاة في المحكمة العليا بأن ما انتصب امام اعينهم حين ايدوا القانون كان يهودية الدولة ليس بمفهوم كونها تعبيرا عن حق تقرير المصير لليهود فيها وحسب وانما لليهود اينما كانوا في العالم وضرورة الحفاظ على الاغلبية اليهودية فيها .
ان هذا الهاجس الذي اصبح يلازم قطاعات من متخذي القرار الاسرئيليين اليهود وبات خطابا مكرسا لدى الرأي العام في اسرائيل، يعزز شرعية اتخاذ خطوات متطرفة وتتناقض مع اسس النظم الديموقراطية في منع بلورة خطاب مواطنة جامع في اسرائيل يطرح موضوعة حقوق الاقلية العربية في البلاد في جوهر وصلب مفهوم المواطنة المنشودة في هذه الدولة.
هذا التصعيد والتغيير في طابع المواجهة الحقيقية بين الاقلية العربية والقوى الديموقراطية اليهودية من ناحية وبين الخطاب الصهيوني العنصري الرسمي والشعبي من ناحية اخرى، يستدعي وقفة تحليلية من مجمل القوى السياسية والفكرية في مجتمعنا العربي استعدادا لهذه النقلة النوعية في طابع المواجهة. من الصعب بالطبع عزل هذا النقاش عن مجريات الامور السياسية العامة على صعيد انهاء الاحتلال الاسرائيلي للمناطق الفلسطينية وانجاز حق تقرير المصير لشعبنا الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة الى جانب دولة اسرائيل. ان مختلف الادعاءات التي سيقت لإبطال العلاقة ما بين حقوق الاقلية القومية الفلسطينية في اسرائيل ونجاح المشروع الوطني الفلسطيني لم تنجح،  بل ان تداعيات انغلاق الافق السياسي في القضية الفلسطينية يلقي بظلاله على المناخ السياسي العام في اسرائيل وبين أبناء الشعب الفلسطيني بشكل عام.
ان المساومة الاسرائيلية المنتهجة على مواطنتنا من خلال المقايضة ضمن معادلة " المواطنة المشروطة بالولاء" او "المبادلة السكانية"، تصب اساسا في تأجيج المواجهة على مواطنة الجماهير العربية سياقا ومضمونا والحق في دخول المعترك السياسي والنضال من أجل تغيير وجهة وطابع ونظام هذه الدولة، وتربط ربطا عضويا بين الاعتراف بالمركب القومي ومركب المواطنة في هوية هذه الجماهير.
هذه الصياغات والسياسات والقوانين تخيّر الجماهير العربية بين الانتماء القومي وبين المواطنة الكاملة هذه المرة من مربع مختلف، فان كانت بعد النكبة ساومت على انسلاخ الجماهير العربية عن شعبها الفلسطيني وتعزيز المواطنة الفردية الشبيهة بمكانة الرعايا في دولة اجنبية، فإنها اليوم تنطلق من خلال اصرار المؤسسة على ان الانتماء القومي، غير القابل للنقض في هوية الجماهير العربية، هو المسبب الاساسي لحجب المواطنة عنها.

  • دون خجل أو لعثمة


السؤال الذي يفرض نفسه في هذه الحالة هو الى أي مدى تعي القوى السياسية هذه المعادلة، وتستعد لهذه المواجهة في المرحلة المقبلة؟ في السابق كانت المعركة على الهوية واضحة وجرت مجابهة جميع محاولات التشويه ببسالة وحكمة يشهد لها في تاريخ الاقليات المعاصر والقديم. الان وبعد ان طورت جهات سياسية داخل الجماهير العربية خطابًا يسعى الى نزع الشرعية عن أي نضال مدني يرتكز الى المواطنة، تارة بلبوس قومجي يطرح شعار دولة جميع مواطنيها ويجرّم أي مسعى ونضال للتأثير على مفهوم المواطنة من خلال نضال مشترك بين فئات مختلفة من مواطني الدولة يجمعها تصور مختلف لمفهوم هذه الدولة،  وتارة بنزعات اصولية وانتماءات الى الفضاء الاسلامي الواسع وانطلاقا من طروحات المجتمع العصامي بمفهومه الانغلاقي الذي يعلن براءته من صكوك المواطنة وتبرئة ذمة الدولة من مسؤوليتها تجاه 20% من مواطنيها – هل هذه القوى، بوجود هذه الطروحات، مستعدة لحسم المقولة السياسية الكامنة في الدفاع عن مواطنتنا بمفهوم الانتماء الى الوطن والى فكرة طابع الدولة التي نناضل من اجل الوصول اليها؟
هذا الطرح الذي طالما طرحه الحزب الشيوعي الاسرائيلي في ادبياته وهذه الرؤية المستقبلية التي طالما ناضل لاجها، قد صاغها في قرارات مؤتمراته وآخرها المؤتمر ال – 25 عندما اعلن وسجل : "ان اسرائيل لا يمكن تعريفها كدولة يهودية – في تجاهل لوجود الاقلية القومية العربية، من أبناء الشعب الفلسطيني وأهل هذا الوطن... واذا كان عنصر "يهودية الدولة" سيفرض بقوة القانون، وملاحقة الشاباك، فان هذا يسقط عن اسرائيل تعريفها كدولة ديموقراطية، فلا هي دولة يهودية فقط، ولا ديموقراطية ، مما يعمق مأزق مقولة المؤسسة الحاكمة حول "الدولة اليهودية والديموقراطية". ويضيف كتاب المؤتمر للحزب الشيوعي: "ان النضال اصبح يسير على محورين متكاملين ومتداخلين: النضال من أجل تحقيق حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني ، واحقاق حقوقه الوطنية المشروعة، في دولته الوطنية المستقلة من جهة، والمعركة على تحويل اسرائيل تحويلا ديموقراطيا عميقا، والوصول الى دمقراطية حقيقية، وانجاز المساواة الجذرية في الحقوق القومية والمدنية والاجتماعية للاقلية العربية في اسرائيل، من الجهة الاخرى".
هذه هي المعركة والمواجهة الحقيقية، فلا مساومة على الانتماء القومي للاقلية ولا مقايضة على المواطنة الكاملة غير المنقوصة والحقوق القومية المكرسة. إنها معركة على مضمون جديد – قديم لمواطنة الجماهير العربية في البلاد، وهي معركة يجب ان تعنون دون خجل أو لعثمة على وجه اسرائيل أخرى ديموقراطية لا تحتكم للاثنية او لأغلبية ديموغرافية ولمعايير الحفاظ عليها. 

قد يهمّكم أيضا..
featured

"الربيع العربي" لم يصنع أصدقاء للولايات المتحدة

featured

أين عظَمة مصر؟!

featured

كيف تضيّع مملكة

featured

نحو الأول من أيار

featured

"اضرب يا نقا عيني"

featured

أبرتهايد إسرائيلي بغرف الولادة

featured

"الاتحاد" في عامها الثامن والستين