في خمسينيات القرن الماضي بدأتُ وأبناء جيلي تنفُّس حبّ مصر.. تنفسناها فكرًا وأدبًا وصحوة وطنية ومدًّا قوميًّا.. يومها أنشدنا مع نزار قباني مخاطبًا عبد الناصر: "يا جبل الكبرياء.. ويا آخر قنديل زيت يضيء لنا في ليالي الشتاء".
تغنَّينا بحب مصر كثيرًا.. رأينا فيها موطنًا للنيل والأهرام وأم كلثوم.. النيل هو الخير والأهرام هي التاريخ والحضارة، وأم كلثوم هي النغم والشعر والأدب وألق المواهب.
ودارت الأيام وهوى جبل الكبرياء وصعدت روح عبد الناصر إلى جنان الرفيق الأعلى.. وكفكفنا الدموع على رجاء قيام رجال يعيدون إلى الجبل شموخه وكبرياءه.
لخيبتنا وجدنا الذين انتظرنا قيامهم يتحوّلون إلى وصوليين عهدهم عهد فساد فيه يصولون وفيه يجولون إلى ان بدأت ثورات الياسمين والربيع تُنعش بنسائمها أبصارنا وأذهاننا. والسؤال: هل أنعشتنا هذه النسائم؟!
لوجعنا، لقد خيّبت هذه الثورات أو بالأحرى الفورات آمالنا!!
ما الذي حدث ويحدث في مصر؟ هل أعاد الحكام الجدد لأرض الكنانة ما نكنّه لها من محبة وإجلال؟!
لقد أوصل التغيير الجديد الإخوان المسلمين إلى الحكم، فماذا كان؟ في قراءتي لاسم هذا التنظيم، أجد في لفظتيه إيحاء للاخوة والسلام والإسلام.. هل يقبل الإخوان قراءتي هذه؟
في متابعتي لما يجري في ميدان التحرير والتغيير أجد تغييرًا فاضحًا لقيم من اجلها استشهد شباب مصر في قاهرة المعزّ!
في هذا العهد الجديد يجري اعتداء على قيم مصر الروحية في الأزهر وفي كاتدرائية أهل مصر الأصليين!
هل شاهدتموهم وهم يقطعون رأس تمثال طه حسين، ويستخفون ببريق الإبداع في وجه تمثال أم كلثوم فيغطونه تارة بالحجاب وتارة بالنقاب؟!
أين هذه الممارسات من عظمة كلام تشرتشل الذي قال: "إن بريطانيا مستعدة للتنازل عن جميع مستعمراتها وليست مستعدة للتنازل عن (أدب شكسبير)!
مصر التي كانت في خاطرنا وفي دمنا تنوء اليوم بفتاوى التكفير والتسفيه وتنقلب بين عشية وضحاها إلى أوكار رشى ومرتشين!
في كتاب (الثورة) لوائل غنيم المعارض الشاب الذي بهمته مع الملايين من شباب مصر سقط فراعنة الفساد.. في هذا الكتاب قرأت هذا الكلام: كان لأحد ضباط الشرطة ولدان وحدث انهما فشلا في الامتحان فما كان من الأب الا ان شتم ولطم ابنه الأول، وبعده دخل الابن الثاني ليلقى عقابه وبعد لحظات خرج هذا باسمًا بدون عقاب الأمر الذي أدهش أخاه الأول فسأله هذا عن كيفية تخلّصه من العقاب، فقال: وضعت لأبي خمسة جنيهات في الشهادة!!
هذا هو نظام الرشى في البيت وخارج البيت... رشى الصغار ورشى الكبار!!
المضحك المبكي ان أمريكا بتقديمها الأموال والرشى تُحكم الطوق حول رقاب الحكام الجدد كي تبقى بلاد العرب دفيئات مباحة ومشاعة لأهواء ومصالح من يريدون إذلال وتركيع العرب. في هذا السياق اذكر الفيلسوف محيي الدين بن عربي الذي قتله الفاسدون المتجبرون عندما قال لهم:
"إنَّ الذي تعبدون تحت جزمتي" – أي المال والسلطة والجنس!! في طقوس تقديس وتأليه هذه المعبودات يتمرغ الحكام الجدد في بؤر الرشى ونهب خزائن الدولة والتحرش بالنساء والحرائر وهتك الأعراض.
هذه المعبودات تُفقد السلطة هويتها القومية فتبارك ما يجري في بلاد الشام من قتل ومجازر.. في انحرافاتهم هذه ينسون الشاب السوري سليمان الحلبي الذي كان يدرس في الأزهر، والذي خلّدت مصر في ماضيها الجميل اسمه في سجل الخالدين بعدما طعن الجنرال (كليبر) قائد الحملة الفرنسية ثأرًا لمصر ولعروبتها.. يا للهول!
كيف تطمس (مصر الإخوان) ذكرى الحلبي وتتآمر على أحفاده وأحفاد يوسف العظمة وجول جمّال الشامخين أحياءً وأمواتا في جلّق وسائر بلاد الشام؟!!
ألا يعرف رئيس مصر الجديد انه يجمع أمته على الضلال؟! كيف يمكن ان يتناسى هذا الرجل الحديث الشريف: "لا تجتمع أمتي على ضلالة!"
