35 عامًا على انتصار جبهة الناصرة الديمقراطية: استعراض، وقفة، وعِبر

single

السلطة لم تتورّع عن قطع المياه والكهرباء عن الشوارع وعن دار البلدية فعُقدت الجلسة على ضوء الشموع! (من إحدى جلسات بلدية الناصرة - أرشيف)

الجديد الذي جاءت به الجبهة هو تغيير مفاهيم الناس أي نبذ الطائفية والابتعاد عن الانغلاق العائلي. لكننا نعرف أنّ لدى السلطة ومن يدور في فلكها إمكانيات للتأثير والتخريب، وبالمقابل دعم شعب الناصرة الجبهة حفاظًا على مستقبله ومستقبل أبنائه واستعدادًا لتطوّرات المستقبل

 

//  تستعد جبهة الناصرة الديمقراطية في هذه الأيام، للاحتفال بمرور 35 عاما على انتصار الجبهة سنة 1975 (9 كانون الأول)، هذا الانتصار الذي له مدلولات ومعانٍ كثيرة، وهو جزء لا يتجزأ من تاريخ شعب.
الهدف من هذا الاستعراض، ومن هذه المعالجة، أن ننعش ذاكرتنا وذاكرة شعبنا وأن نروي للأجيال الشابة عن الحلم الذي تحول إلى واقع بفضل وحدة الصف من أجل التغيير.
وقبل الدخول إلى التفاصيل، سأقوم باستعراض تاريخي لانتخابات بلدية الناصرة منذ الانتخابات الأولى التي جرت بعد قيام الدولة.
1- الانتخابات الأولى جرت يوم 12-4-1954 وخاضتها إضافة إلى قائمة الحزب الشيوعي وغير الحزبيين سبعةُ قوائم إضافية هي: قائمة الهدى، القائمة المستقلة، قائمة الطائفة الأرثوذكسية، قائمة الكتلة الأهلية، قائمة الحي الشرقي، القائمة الإسلامية وقائمة حزب مبام.
القوائم الست الأولى هي قوائم حاراتية وطائفية. حصل الحزب الشيوعي على 6 مقاعد من أصل 15 مقعدا وتوزعت التسعة مقاعد على القوائم الست الأولى، حيث سقطت قائمة المبام وأقيم ائتلاف انتخب في أعقابه المرحوم أمين جرجورة رئيسًا للبلدية.
2- الانتخابات الثانية جرت يوم 3-11-1959، في انتخابات سنة 1954 خاضت الانتخابات 8 قوائم، وفي هذه الانتخابات تقدمت 10 قوائم إضافة لقائمة الحزب الشيوعي وغير الحزبيين، خمس قوائم منها بمرشحين مسيحيين فقط، و3 قوائم بمرشحين مسلمين فقط، إضافة لقائمة المبام وقائمة الشباب.
في هذه الانتخابات حصل الحزب الشيوعي على ثلاثة مقاعد، في أعقاب الخلاف الذي حصل بين القائد الخالد جمال عبد الناصر والاتحاد السوفييتي وأحداث العراق.
وانتخب المجلس البلدي المرحوم سيف الدين الزعبي – رئيسا للبلدية ولنواب الرئيس المرحومين نديم بطحيش ومحمود القاسم وعبد العزيز الزعبي. وعقدت الجلسة الأولى يوم 28-12-1959 والأخيرة يوم 22-10-1965.
3- الانتخابات الثالثة جرت يوم 2-11-1965 تقدمت 9 قوائم على نمط القوائم التي تقدمت سنة 1959، من حيث التركيبة، إضافة إلى القائمة الشيوعية الجديدة وغير الحزبيين.
في هذه الانتخابات عزز الحزب الشيوعي قوته وحصل على 7 مقاعد من أصل 15 مقعدا. وتم الاتفاق بين الحزب والمرحوم عبد العزيز الزعبي الذي حصل على مقعد واحد، أن يُنتخب رئيسًا للبلدية، على أن ينتخب فيما بعد رئيس قائمة الحزب القائد الشيوعي خالد الذكر فؤاد خوري نائبا للرئيس. وهكذا انتخب يوم 21-12-1965 المرحوم عبد العزيز الزعبي رئيسا للبلدية، وعقدت 3 جلسات للمجلس البلدي آخرها يوم 11-3-1966 ومورست ضغوط على المرحوم عبد العزيز ولم ينتخب المرحوم فؤاد خوري نائبًا للرئيس، بموجب الاتفاق، وهكذا حُلّ المجلس البلدي وأقيمت لجنة معينة يوم 3-5-1966.
توجهت كتلة الحزب الشيوعي إلى محكمة العدل العليا لإلزام وزارة الداخلية بإجراء انتخابات، ووافقت المحكمة على التماس الحزب، وتقرر إجراء الانتخابات في شهر 11/1966 وهكذا استمر عمل اللجنة المعينة لمدة 7 أشهر أي حتى 2-12-1966.
4- جرت الانتخابات الرابعة يوم 24-11-1966، أي سنة بعد الانتخابات التي سبقتها – وخاضت الانتخابات، إضافة لقائمة الحزب الشيوعي، 5 قوائم إضافية، وحصل الحزب على 6 مقاعد من أصل 15.
الجلسة الأولى عُقدت يوم 19-1-1967 وانتخب المرحوم موسى كتيلي رئيسًا للبلدية والمرحوم عبد العزيز الزعبي نائبا للرئيس ورئيسا بالوكالة. الجلسة الأخيرة عقدت يوم 14-10-1970.
5- الانتخابات الخامسة جرت يوم 8-12-1970 تقدمت 7 قوائم على شاكلة الانتخابات السابقة من حيث التركيبة الطائفية والحاراتية، إضافة لقائمة الحزب الشيوعي والتي تمثل مختلف الحارات والطوائف والأزقة، تماما مثل الانتخابات بدءًا من عام 1954.
في هذه الانتخابات ارتفع عدد أعضاء المجلس البلدي من 15 إلى 17 وحصل الحزب على 8 مقاعد وتوزعت المقاعد الـ 9 المتبقية على 4 قوائم أخرى.
عقدت الجلسة الأولى يوم 4-3-1971 وانتخب المرحوم موسى كتيلي رئيسا للبلدية، وبعد شهر و 24 يومًا، أي يوم 28-4-1971 استقال المرحوم كتيلي، وانتخب المرحوم سيف الدين الزعبي رئيسا، والسيد يعقوب السالم قائمًا بأعمال الرئيس، والمرحوم موسى كتيلي نائبًا رئيس. ويوم 4-6-1971 انتخب المرحومان حبيب سيباني وسليم قاسم أبو احمد – نواب رئيس بدون راتب، واعتبارا من جلسة 22-9-1972 أصبح المرحوم مجيد عطا الله (فيما بعد أصبح كاهنا للطائفة الكاثوليكية) عضو بلدية وانتخب نائبًا للرئيس.
عقدت الجلسة الأخيرة يوم 8-12-1973 حيث قدم المرحوم سيف الدين الزعبي يوم 14-4-1974 استقالته من الرئاسة، وفي أعقاب ذلك تم تعيين لجنة معينة لإدارة شؤون البلدية.
وتوجه الحزب الشيوعي بواسطة كتلته في المجلس البلدي، بالتماس إلى محكمة العدل العليا ضد وزارة الداخلية، مطالبا بإجراء انتخابات للمجلس البلدي، وقبلت المحكمة الالتماس وتعهدت وزارة الداخلية بإجراء الانتخابات يوم 9-12-1975.
وهكذا استعرضنا خمس معارك انتخابية جرت للمجلس البلدي منذ عام 1954 حتى عام 1975، وبضمنها لجان معينة لإدارة البلدية، التي تخلصت منها المدينة منذ أن تسلمت الجبهة إدارة البلدية.
وقد أشرتُ عن قصد، إلى عدد القوائم وتركيبتها الطائفية والعائلية والحاراتية، هكذا كان الوضع في الناصرة قبل 35 سنة وفي قيام وانتصار الجبهة – عِبرة.

 

* نصر مؤزر رغم الإرهاب السلطوي


بعد هذا الاستعراض نستطيع أن نقول، وبثقة، أن الإعلان عن قيام جبهة الناصرة الديمقراطية يوم 24-10-1974 جاء تتويجًا لنضال مثابر وعنيد لسنوات طويلة ومريرة، كانت كتلة معارضة جدّية واحدة في البلدية، هي كتلة الحزب الشيوعي وغير الحزبيين، وبعد أن نجحت في المعارضة على طوال الـ21 عامًا، حيث كانت معارضة مسؤولة وفعالة وبناءة ومثابرة، حصلت فيما بعد على ثقة شعب الناصرة الذي أوصلها إلى إدارة البلدية يوم 9-12-1975.
في انتخابات سنة 1966، وفي مهرجان افتتاح المعركة الانتخابية يوم 8-10-1966 أعلن رئيس قائمة الحزب الشيوعي وغير الحزبيين، القائد الوطني الشيوعي خالد الذكر فؤاد خوري:
"إننا نسعى في سبيل تأليف أوسع جبهة شعبية ديمقراطية لمصلحة الناصرة. إننا نتأمل أنّ هذا المهرجان الكبير سيكون حافزا لبعض الأصدقاء والمخلصين المترددين، لينبذوا التردد جانبًا وليسرعوا لتكوين قائمة الجبهة الديمقراطية.. فقد آن الأوان.. ونحن نعتقد أن جبهة ديمقراطية تحظى بأكثرية أعضاء البلدية تستطيع أن تتحمل المسؤولية".
وصدق رفيقنا أبو جابر.. قامت جبهة الناصرة بعد 8 سنوات من خطابه، وتحمّلت المسؤولية وحققت النصر تلو النصر، وهي تتحمل المسؤولية منذ 35 عامًا.
سنة 1970، وقبل انتخابات البلدية، اصدر فرع الحزب الشيوعي في الناصرة بيانا قال فيه: "لقد دعونا في الماضي ونحن ندعو اليوم أيضًا إلى وجوب قيام جبهة مشتركة من كل أوساط المدينة، جبهة يشترك فيها حزبنا الشيوعي، وتخوض بقائمة موحدة المعركة الانتخابية، ولكن الإرهاب السياسي والاقتصادي العنيف كان يحول دون تحقيق هذه الرغبة المخلصة، لذلك كان حزبنا ينزل بقائمته الحزبية منفردًا لا تمسكًا بحزبيته، بل تمشيًا مع الواقع الذي لم ولن نستسلم له، بل سنظل نعمل مع جماهيرنا وكل المواطنين الشرفاء، على وجوب قهره والتغلب عليه".
ما ذكرته هو جزء بسيط من نداءات الحزب الشيوعي منذ الانتخابات الأولى عام 1954 لإقامة جبهة.
اكتب هذا لان هناك من يعتقد أن التاريخ وتاريخ جبهة الناصرة الديمقراطية بدأ منه ومعه ومن خلاله، سمعنا هذه الادعاءات أكثر من مرة خلال الـ35 سنة الماضية. ولكن الحقيقة هي أنّ الحزب الشيوعي وقيادته في الناصرة، ومنذ الانتخابات الأولى دعوَا لإقامة جبهة، وكانا يجددان دعوتهما قبيل كل انتخابات وبين انتخابات وأخرى.. إلا أنّ الظروف نضجت والتجربة اختمرت، كما قلت، في بداية السبعينيات عندما بدأت فئات الناصرة المختلفة بإقامة أطر تنظيمية: رابطة الجامعيين ومعلمي المدارس الثانوية، التجار والحرفيين وأصحاب المصالح الخاصة، الطلاب الجامعيين أبناء الناصرة، وبدأت تلك التنظيمات نضالها معًا، وكلٌ على حدة، من اجل التغيير، من أجل ناصرة أفضل، ناصرة كرامة وخدمات.

 

* الجحش الطائفي.. منذ السبيعينات


وتوالت الأحداث، وفقدت السلطة أعصابها أمام وحدة الصف الرائعة التي تجلت في الناصرة، وأخذت تحيك المؤامرات وشنت حملة تحريض على أهل الناصرة وجبهة الناصرة، لعبت على وتر العائلية والطائفية وأنزلت عدة قوائم بهذه الروح.. أصدرت العديد من المناشير غير الموقعة المليئة بالشتائم ضد الجبهة وقادتها. رجالات السلطة والمخابرات قاموا بزيارات انتخابية في الأحياء بمشاركة عدد كبير من المسؤولين الحكوميين والوزراء منهم الوزير أبراهام عوفر الذي هدّد أهل الناصرة، بأن الحكومة لن تتعاون مع البلدية إذا تم انتخاب الجبهة وتوفيق زياد، وكتبت صحيفة "دافار" يوم 27-10-1975 مؤججة الاحتراب الطائفي في الناصرة وقالت إن قادة المعراخ سيحاولون إقناع الناخبين المسيحيين: "بان سياسة شبيهة بسياسة راكح والجبهة هي التي أدت إلى ما يقاسيه أبناء ملّتهم في لبنان".
وقد قررت السلطة الحاكمة الركوب على جحش التفرقة الطائفية وتقرّر كما ذكرت صحيفة "معاريف" يوم 2-11-1975 تقديم ثلاثة مرشحين لرئاسة بلدية الناصرة – كل مرشح لطائفة معينة: قائمة برئاسة المرحوم جورج سعد، وقائمة برئاسة المرحوم حبيب سيباني، وقائمة برئاسة المرحوم خالد الزعبي، وان حزب "المفدال" وبالتفاهم مع المعراخ، سيخوض الانتخابات في قائمة برئاسة السيد حسني الفاهوم. وقال رعنان كوهين رئيس الدائرة العربية في الحزب في حينه، انه جرى الاتفاق بين المرشحين على أن يؤيدوا، في الجولة الثانية للانتخابات المرشح الذي ينال أكثر من غيره من الأصوات، أي حينئذ ينزل "المعراخ" عن جحش الطائفية ويوحد الجميع ضد مرشح جبهة الناصرة الدمقراطية، وقبل ذلك حاولوا تأجيل تنفيذ قانون انتخاب رئيس البلدية بشكل مباشر وشخصي إلى ما بعد انتخابات بلدية الناصرة (استعمل القانون أول مرة في الناصرة)، وقالوا صراحةً إنّ الهدف من هذا هو منع فوز جبهة الناصرة الديمقراطية بالرئاسة كي تسنح الفرصة للمعراخ أن يطرح عدة قوائم وبالتالي يقوم بشلّ عمل المجلس البلدي وحلـّه فيما بعد، وهدّدوا بحلّ المجلس البلدي إذا انتُخبت الجبهة لإدارته.. وأخطر التصريحات لوزير العمل في حينه موشيه برعام، الذي جاء إلى الناصرة مهدِّدًا أهلها أنّ الحكومة ستقطع المساعدات عنهم.. وكتبت الجبهة: ردّ شعب الناصرة على برعام بالتصويت الإجماعي "ج د" وانتخاب توفيق زياد لرئاسة البلدية.
وهذا ما حدث يوم 9-12-1975... صوتوا وتجمع الألوف منهم في قاعة بيت الصداقة وانتظروا بعد تعب وجهد، وشتاء وبرد إلى ما بعد منتصف الليل، ظهرت النتائج وسط الأغاني والأناشيد الوطنية وحلقات الدبكة، وفجر 10-12-1975 ظهرت النتائج: احد عشر عضوًا للجبهة (من أصل 17) وتوفيق زياد رئيسًا للبلدية بأكثرية ساحقة من الجولة الأولى 67,3%.
وبدأ العهد الجديد: عهد الكرامة الوطنية والكفاح من أجل حقوقنا، من ناحية وارتباط ذلك عضويًا بالخدمات البلدية حيث كان الشعار "بلدية كرامة وخدمات".
ولكن.. استمرت تهديدات الرسميين الذين راهنوا حالاً بعد صدور النتائج، على أنّ جبهة الناصرة الديمقراطية لن تصمد أكثر من 3 أشهر وآخرون كانوا أكثر كرمًا، حيث منحونا 6 أشهر.. وصمدنا وانتصرنا 8 مرات متتالية، حاولوا تغيير الإدارة.. وقرروا أن تجري الانتخابات سنة 1978 أي بعد 3 سنوات وجرت الانتخابات وخاب ظنهم.
هدّدوا ونفذوا قطع المياه وقطع التيار الكهربائي عن الشوارع وعن دار البلدية، حيث عقدت جلسة المجلس البلدي – والتي كانت مقرَّرة قبل القطع – عقدت بصورة رومانسية على ضوء الشموع وذلك في شهر 10/1981.. فرضوا حصارًا ماليًا ولم تتمكن إدارة البلدية من دفع رواتب المستخدمين لأشهر، كل ذلك بهدف عدم القيام بمشاريع عمرانية في المدينة، قطعوا المياه عدة مرّات واختاروا أشهر الصيف، وفي إحداها مع افتتاح مخيم العمل التطوعي الرابع عام 1979، إلا أنّ إدارة البلدية توجهت إلى المحكمة التي اقتنعت بموقفها وأصدرت أمرًا ضد شركة "مكوروت" يمنعها من قطع المياه أو تخفيض التزويد.

 

* مخيمات العمل التطوّعي


بدأت البلدية الجبهوية بإقامة مخيمات العمل التطوعي وتجنيد أهالي الناصرة والقرى العربية والقوى الديمقراطية اليهودية وإخواننا من المناطق المحتلة والوفود الأجنبية، حيث كانت المخيمات ردًا شعبيًا موحَّدًا ضد سياسة الحكومة، ضد سياسة التمييز القومي المنتهجة ضد الجماهير العربية. وهكذا أقيم أول مخيم خلال الفترة من 13-17/8/1976، وبعد سنوات من إقامة أول مخيم تطوعي في الناصرة، انتشرت هذه الظاهرة في معظم قرانا ومدننا، وكانت هذه المخيمات ردًا على الحصار المالي وحرب السلطة ضدنا.
الحديث عن المخيمات يتطلب عدة مقالات.. ولكن لا بدّ من بعض الكلمات عن الموضوع.
قبل إقامة المخيم الأول عام 1976، كانت فرق المتطوعين تخرج للعمل التطوعي، كل يوم سبت، حيث تقوم بتنظيف الشوارع والأحياء، كما ابتدعت الجبهة - فور الانتصار - فكرة إقامة لجان الأحياء التي كانت تقوم بأعمال تطوعية داخل الأحياء وكانت تشكل حلقة الوصل بين البلدية وتلك الأحياء.
لقد فرضت وسائل الإعلام العبرية حصارًا على المخيم الأول، إلا أنّ وسائل الاعلام العالمية نشرت بتوسع عن المخيم. فكتبت مجلة "التايم" الأمريكية: "لقد قام مئات المتطوعين بتنظيف أحياء الناصرة، ورشق المتطوعون ودهنوا غرف المدارس وقطعوا أشجار الصبار وأزالوا أكوامًا متراكمة من القاذورات والنفايات" وأضافت: "خلال التسعة أشهر الأخيرة منذ انتخاب الشاعر الشيوعي توفيق زياد لرئاسة البلدية، حدثت أشياء مدهشة في المدينة العربية الكبرى في إسرائيل، فقد مُدَّت مجار جديدة وأنابيب مياه وأنجز بناء ثلاث مدارس وأصبحت اجتماعات البلدية مفتوحة للجمهور".
أما صحيفة "نيوزويك" الأمريكية فقد نشرت خبرا مماثلا ونشرت معه صورة رئيس البلدية توفيق زياد، وهو يعمل ضمن فرقة المتطوعين ويلبس قميصًا يحمل شعار شعب الناصرة القائل: "أعطوا الناصرة حقوقها".
وهذا ما فعلته صحيفة "لافيغارو" الفرنسية.
وصمدت جبهة الناصرة وارتفع الشعار الخالد "بلدية كرامة وخدمات" ووقفنا على حقنا بالحصول على الخدمات وحقنا هذا نحصّله بالكرامة وبالنضال الشعبي، رفضنا كل محاولات الاستسلام، حتى من داخل الجبهة بعد صعود الليكود إلى الحكم سنة 1977، وقالت الجبهة ليس بالتسليم والاستسلام والخنوع نحصل على حقوقنا إنما بالنضال المثابر الموحَّد.. وبالطبع كل نضال يتطلب تضحيات.
لم يكن الحصار المالي وحدُه الذي فرض علينا، بل رافقه تحريض من كل الأجهزة الحكومية، من حاكم اللواء في حينه يسرائيل كينغ، ووزراء ومسؤولين حكوميين متّهِمين البلدية بسوء الإدارة وبتضخيم الجهاز. حتى التبرعات المتواضعة التي وصلتنا قدِّمت شكاوى بسببها ضدنا من قِبل حاكم اللواء وحققت الشرطة تحقيقًا استفزازيًا مع رئيس البلدية خالد الذكر توفيق زياد ورئيس البلدية الحالي الأخ رامز جرايسي وكاتب هذه السطور.
حققوا معنا بخصوص استئجار بناية لاستعمالها مدرسة.. ومع الأخ رامز جرايسي حققوا عدة مرات في هذا الموضوع، في شرطة كريات حاييم، كذلك مع الأخوة أمين محمد علي ووليد الفاهوم والمرحوم عبد الحفيظ دراوشة وكاتب هذه السطور.
فتشوا بفتيلة وسراج لكي يتخلصوا من جبهة الناصرة الديمقراطية وتقديم إدارة البلدية، لم تنجح شكوى واحدة ولم تقدم قضية واحدة.
كان لانتصار جبهة الناصرة تأثير على وضعية السلطات المحلية العربية، التي كانت حتى السبعينات اشبه ما تكون بمشيخة او مخترة. كان له تأثير مباشر على انتخابات البلديات في المناطق المحتلة التي جرت عام 1976، كان له تأثير على الإضراب العام الأول للجماهير العربية الفلسطينية عام 1976، وعلى انتخابات السلطات المحلية العربية التي جرت عام 1978.
بلدية الناصرة بقيادة جبهة الناصرة، حملت هموم شعبنا، وكانت الطليعة في كفاح هذه السلطات، كانت الطليعة في الكفاح لإنهاء الاحتلال وإقامة السلام العادل المبني على حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وأعلن القائد الراحل توفيق زياد: "إننا جزء من الشعب العربي الفلسطيني، جزء حي ومكافح، هذه حقيقة ساطعة كالشمس، تعمي عيونهم وتيبس حلوقهم، ولكنها حقيقة. كل طفل من أطفالنا يولد وهو يغني: عليك مني السلام يا ارض أجدادي وينمو ويترعرع على حب هذا الوطن".
بلدية الناصرة بقيادة الجبهة، كانت الطليعة في قضايا الأرض والمصادرة، قضايا هدم البيوت في القرى والتجمعات السكنية العربية، قضايا الطلاب الجامعيين العرب، قضايا الميزانيات العادية والتطويرية، قضايا الطلاب الثانويين العرب. كانت من المبادرين والمساهمين لعقد مؤتمرات: مؤتمر الصحة، مؤتمر التعليم، مؤتمر الأوضاع والخدمات الاجتماعية، كانت الداعمة للهيئات الشعبية المختلفة: لجنة الدفاع عن الأرض، لجنة المبادرة العربية الدرزية، اتحاد الطلاب العرب.
كانت بلدية الناصرة بقيادة الجبهة، في مركز الإضرابات العامة العديدة للجماهير العربية، في القضايا السياسية والقضايا المطلبية، وفي مقدمتها الإضراب العام الأول يوم 30-3-1976 – يوم الأرض – هذا الإضراب الذي جاء بعد 3 أشهر من تسلم الجبهة إدارة البلدية، والإضرابات التي تلته: يوم السلام، يوم المساواة، ضد مجزرة عيون قارّة، مجزرة الحرم الإبراهيمي، مجازر صبرا وشاتيلا، مجزرة القدس وهبّة أكتوبر، وغيرها من الأيام النضالية في حياة شعبنا.

 

 

علينا المشاركة في التفكير وطرح الآراء وسماع بعضنا بشكل مفتوح.. فوحدتنا سر قوتنا! (من أحد مهرجانات جبهة الناصرة الانتخابية، 2008)

 

 

* لتعزيز الثقة بجبهة الناصرة


منذ انتخابات 9-12-1975 والتي انتصرت فيها الجبهة للمرة الأولى جرت انتخابات: 1978، 1983، 1989، 1993، 1998، 2003، 2008 أي أنّ جبهة الناصرة استطاعت على مدى 35 عامًا الحفاظ على انتصاراتها واستمرار إدارتها لبلدية الناصرة.
خلال فترة عمل الجبهة منذ 35 سنة حافظت الجبهة على وحدتها وقوتها، لم تكن أزمات بين هيئات الجبهة، والجديد الذي جاءت به الجبهة تغيير مفاهيم الناس (أتحدث عن الفترة من سنة 1975 وحتى أوائل التسعينيات - قبل قيام القائمة الموحدة والحركة الإسلامية) أي نبذ الطائفية والابتعاد عن الانغلاق العائلي. ومما لا شك فيه أنّ رصيد الجبهة حافل بالانجازات البلدية والجماهيرية والشعبية والسياسية، على الرغم من ظهور الحركة التقدمية وخوضها الانتخابات عام 1983 (غالبيتهم الساحقة كانوا في الجبهة) وبعد ذلك ظهور الحركة الإسلامية بشراستها ليس في قضية أرض المدرسة "د" إنما في كل حملاتها الانتخابية.. وهكذا وصلنا إلى مرحلة التعددية السياسية، وكانت الجبهة على وعي أنها لا تعيش في الأوهام، وتعرف أنّ السلطة ومن يدور في فلكها، والحركة الإسلامية وغيرها، لديها إمكانيات التأثير والتخريب.. وبالمقابل، أعتقد أنّ جماهيرنا وحفاظًا على مستقبلها ومستقبل أبنائها واستعدادًا لتطوّرات المستقبل دعمت وتدعم الجبهة.. ولكن المهم: نحن، ماذا نفعل.. كيف نتصرّف.. كيف نظهر.. ماذا مع استمرار الوحدة داخل الجبهة؟
قلنا ونقول اليوم إنّ الجبهة هي حاجة سياسية اجتماعية في حياة الناس التقدميين، من هنا ضرورة الإصرار والعمل على تطوير الجبهة ومؤسساتها وتطوير الديمقراطية الداخلية، الجبهة حركة سياسية وليس حزبًا مع برنامج أيديولوجي وبإمكان الناس الذين تعز عليهم الناصرة ومحبي السلام والمساواة والديمقراطية أن يكونوا أعضاءً متساوين في الجبهة.. وهذا ما يجب أن نعززه.. ولكن قبل ذلك علينا أن نرتب بيتنا الداخلي، يجب أن يكون هناك دفء داخل هذا البيت، علينا أن نكون منظّمين وأن نبقى على رأس النضالات السياسية والشعبية والمطلبية العديدة.. أن نتحرّك بسرعة، أن نكون مبادرين.. وأن نعمل على توسيع الثقة بجبهة الناصرة الديمقراطية.. أهمية تنظيم الجبهة قضية ملحّة جدًا.. قضية التنظيم يجب أن تبقى على جدول أعمالنا وأبحاثنا، بدون التنظيم والبحث التنظيمي الصريح وتنفيذ ما يتخذ من قرارات لا يمكننا تنفيذ برنامجنا.. علينا أن نسمع، بصدر مفتوح، للانتقادات الصادقة الصريحة التي توجَّه لعمل البلدية مع كل إنجازاتها، وان نقبل الانتقاد الصحيح الموضوعي.. ومع الانتقاد يجب أن نعمل.
يجب أن نكون موحَّدين وأن نسمع بعضنا بعضًا، علينا المشاركة في التفكير وطرح الآراء وسماع بعضنا بشكل مفتوح والاستفادة من الرأي الصائب والرأي الجماعي... ممنوع أن يكون هناك مسّ بوحدتنا.. وحدتنا الداخلية أولاً.. قلنا ونقول، إنّ وحدتنا هي سر قوتنا.. وإذا ما تزعزعت هذه الوحدة.. الكمالة معروفة.
قلنا ونقول إنّ الحزب الشيوعي هو العمود الفقري للجبهة وعلينا جميعًا المحافظة على هذا الحزب وعلى استمراريته، لكي نحافظ على استمرارية الجبهة المحلية والقطرية. وهذه الاستمرارية تتطلب أيضًا الاهتمام بجيل الشباب الذين نريد لهم أن يكونوا القيادة في الجبهة والبلدية.. موضوع الشباب من أهم المواضيع التي يجب أن تحظى باهتمام خاص من قبل الجبهة، بحيث يجب أن تكون لدينا نظرة مستقبلية.

 

* الشباب والدماء الجديدة


لقد كنا نلخّص إلى ما قبل 20 سنة أن الشباب الذين يصوتون للمرة الأولى، أو الشباب بشكل عام، يصوتون أوتوماتيكيًا للجبهة وهذا صحيح، إلا أننا لخصنا فيما بعد محليًا وقطريًا، أنّ تصويت الشباب ليس أوتوماتيكيًا للجبهة.. عوامل كثيرة أثرت عليهم، قسم منهم يعتقد أنّ الدنيا ولدت هكذا.. لا يعرفون عن نضالات الشيوعيين عند قيام الدولة ضد الاقتلاع والترحيل.. لا يعرفون مظاهرات الـ1956 و1957 (مجزرة كفر قاسم) مظاهرة أول أيار التاريخية عام 1958، المؤتمرات الشعبية التي كانت تعقد في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، بمبادرة من الحزب الشيوعي، لا يعرفون عن المظاهرات التي شملت كل القرى والمدن العربية في أيلول 1961 بعد مقتل الشبان العرب الخمسة، حرب 1967 ويوم الأرض 1976 وغيرها من عشرات النضالات.
وماذا بعد؟ هل يكفي ما قلته في هذا الاستعراض؟ وقصدت أن أثير نقاشًا على أن يكون نقاشًا موضوعيًا.
هل يكفي أن نتغنّى بتاريخنا.. بانتصاراتنا .. التاريخ الناصع والمشرّف أمر جيد وممتاز ولكن لا يكفي.. بعد 35 سنة، بعد منعطفات كثيرة واجهتنا، بعد محاولة ضرب النسيج الاجتماعي في المدينة من قبل السلطة والحركة الإسلامية.. علينا أن نفكر بشكل جدي ماذا نريد؟ ماذا نريد لكي نحافظ على الاستمرارية؟
نحن لا نعيش في معزل عن العالم ولا عن التطور التاريخي ولا عن ضرورات الواقع، الجبهة بحاجة إلى تنظيم جدي، بحاجة إلى دماء جديدة.. إلى قيادات شبابية.. عن طريق ذلك نتمكّن من الاستمرار ومن تحقيق برامجنا وطموحاتنا وفكرنا وإنسانيتنا.. نحن جبهة من الناس والى الناس.. وهذه الجبهة لها الحياة وعلينا مواصلة الطريق بوحدة متكاملة.


* الكاتب عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي، ومن القادة التاريخيين لجبهة الناصرة الديمقراطية وبلدية الناصرة

قد يهمّكم أيضا..
featured

الصُّدع في الجدار

featured

"دولة اسرائيل لم تعد مشروع الشعب اليهودي"!!

featured

"التعليم".. تمييز وفصل عرقي

featured

النكبة تفتِّش عن مفاتيح الفرج

featured

"الشُّيُوعِيَّة خَمِيرَةُ الأَرْض"

featured

تحية تقدير واعتزاز للنساء

featured

حين الوداع يتبقى الكثير