سقى الله أيام زمان حينما كان تلفازي- يعني بالعربي المجمعي مرناتي- يلتقط أربع الى خمس قنوات فقط وأعرف مواعيد برامجها من نشرات الأخبار حتى ندوة الزجل اللبناني ولا برنامج يدفش برنامجا حتى يقعد محله. أكتب هذا الكلام وصحن تلفازي اليوم يلتقط 685 قناة- واذا أردت أن تحيّره فخيّره!- ولا أدري من منّا عنده وقت ليشاهد هذه القنوات وحتى للتعرف اليها بما فيها من قنوات دينية عديدة وقنوات "بتطلع الواحد عن دينه" وقنوات سينمائية وقنوات"هشّك بشّك" وقنوات علمية وقنوات تجهيل وقنوات طبيخ وقنوات
تقدم السم بالدسم. ولكني حتى لا أضيّع وقتي- ولم يبق من العمر قدر ما مضى منه- أرسيت سفينتي في هذا البحر المتلاطم على قنوات الجزيرة والعربية وفلسطين والمنار وروتانا سينما وLBC والقناة الأولى والقناة الثانية والقناة العاشرة الإسرائيليات، وتركت لزوجتي قنوات MBC4 ودبي لتتابع المسلسلات السورية والمصرية والتركية المدبلجة فتركيا التي خرجت من ديارنا بعد أربعة قرون من التتريك عادت ودخلت بيوتنا على الرحب والسعة. من شاشات التلفاز ومن قصص حب وخيانات زوجية لسكان الفيللات والقصور وأصحاب الشركات ورؤوس الاموال والناس الذين فوق فوق والصبايا الحلوات اللاتي يفككن الرقبة من المشنقة. وكما يقول ابن حارتنا: ليس!!
أنا لست مدمنا على مشاهدة التلفاز ولكني أشاهد نشرات الأخبار الموجزة والقصيرة فلا أحتمل نشرات أخبار "الجزيرة" التي أعدّت لمشاهدين "بلا شغلة ولا عملة" كما أشاهد بعض البرامج الثقافية والحوارية وبعض الأفلام التي قرأت عنها أو سمعت بها.
كنت أتابع في سنوات خلت برامج "شاهد على العصر" في قناة الجزيرة الى أن حوّله الصحفي أحمد منصور، مندوب الاخوان المسلمين في القناة. الى برنامج طعن في جمال عبد الناصر وتاريخه وترويج للأخوان المسلمين سواء كان محاوره مصريا أو عراقيا أو سوريا أو يمنيا أو تونسيا أو مغربيا أو أرنأوطيا أو كرديا. فحسب مداخلات وأسئلة وتعليقات منصور نفهم أن انتشار الأمية والفقر والجهل والمرض والبطالة والتأخر والعسكرتاريا والفساد والإلحاد والرشوة والزنا وكل الموبقات سببها الواحد الاحد جمال عبد الناصر وربما- وهو ما لم يقله منصور- أن عداء أمريكا واسرائيل ومن لف لفها لعبد الناصر هو لتخليص امتنا العربية من هذه الاوبئة!!
شو بدنا نقول!!؟
لا أرغب بأن أعرض أمامكم ما يعجبني وما لا يعجبني في هذه القنوات فلكل واحد منا ذوقه ورغبته وأنا أحترم أذواق الاخرين ورغباتهم في هذا المضمار ولكني أودّ أن أشير الى أمر هام جدا حدث في التلفزيون الفلسطيني في العام الأخير مما جعله يشدّني الى برامجه الجيدة والراقية.. ففي برامجه السياسية الحوارية يلتقي المشاهد مع الطيف السياسي الفلسطيني من فتح وحماس وشعبية وديمقراطية وحزب الشعب الخ.. يلتقي مع الرأي والرأي الاخر. ويشاهد برامج ساخرة وجارحة عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويتمتع بمقاطع ستاند اب كوميدي عن الواسطة والفساد وعن المفاوضات ولا يسلم الرئيس أو الوزير أو النائب أو المدير أو رجل الأمن من هذا النقد الساخر.
وقد خصص هذا التلفزيون مساحة لنا نحن المنغرسين في الجليل والمثلث والنقب. سواء في التقارير أو المقابلات أو تقديم البرامج السياسية أو الفكرية أو التعريف بنا.
طفرة هامة ومباركة حدثت لتلفزيون فلسطين.
أقول: الى الأمام فشعبنا يستحق ذلك وأكثر من ذلك.
