*اذا كان أي عربي نزيه ومتوازن لا يمكنه تبرئة نظام القمع الدموي في سورية من المسؤولية عن الحال الخطير الذي تمرّ به سورية اليوم، فليس العقاب لهذا النظام عن ذلك هو في السماح بوقوع سورية لقمة سائغة في فم التحالف الامبريالي الرجعي العربي*
لم يعد خافيا، اليوم، أن واشنطن تركّز جهودها لتصعيد الأحداث في سورية نحو حرب أهلية، كخطوة تمهيدية لتبرير التدخل العسكري الخارجي، بعد أن تعذّر عليها وعلى حلفائها في الناتو تكرار السيناريو الليبي دون هذه الخطوة التمهيدية. فالى جانب تشجيع تهريب السلاح بكثافة من حدود الجوار السوري الموالي لواشنطن، فهي تكرر التحريض العلني للعناصر السورية التي رفعت السلاح في وجه النظام، بعدم تسليم سلاحها استجابة لاعلان النظام السوري بالعفو عن كل من حمل السلاح اذا لم يكن قد ارتكب جريمة ويقوم بتسليم سلاحه ؛ وفي الوقت ذاته ترفض التحذيرات من الاحتمالات المتفاقمة لتحوّل المواجهات في سورية الى حرب أهلية.
على صعيد آخر، تقوم واشنطن مع حلفائها في الناتو ولا سيما فرنسا وتركيا بحملة تحريض غير مسبوقة، لتهيئة الرأي العام العالمي لأي تدخل مبيّت ضدّ سورية، تحت غطاء الدفاع عن حقوق الانسان! في وقت تتجاهل هذه الحقوق في البحرين وتتلعثم حولها في اليمن وتقف ضدها بصلف وتحدّ في الشأن الفلسطيني. ويدا بيد، تحرّك النظام العربي الرسمي، الذي لم تطله بعد تأثيرات الحراك الشعبي، ممثلا بالجامعة العربية، الذي يبدو اليوم في حالة من الاستنفار غير معهودة في تاريخ هذه الجامعة على مدى عقود، ضد سورية دون سواها ؛ بعد أن دعت هذه الجامعة الناتو، بالامس، للتدخل في ليبيا ؛ وذلك في وقت غطّت فيه مناورات علي عبدالله صالح لكسب الوقت، وتبارك - ولو بالصمت - التدخل العسكري السعودي في البحرين لقمع معارضي النظام هناك، وتتوارى عن الأنظار، حين يتعلّق الأمر بالاعتداءات الاسرائيلية على الأراضي العربية، وآخر الأمثلة على ذلك لدى وقوع هذه الاعتداءات على لبنان 2006 وعلى قطاع غزة أواخر 2008 وبداية 2009. أما اليوم، فهذه الجامعة تستأسد، وتصدر الانذارات والتهديدات تباعا وتصعيدا. لكن هذا التناغم والتلاقي، بين نشاط دول الناتو بزعامة الولايات المتحدة والنظام العربي بزعامة السعودية ما كان له الاّ أن يثير انتباه ويقظة أوساط واسعة من الشعب السوري لما هو مبيت لهم ولوطنهم، وهذا ما جرى التعبير عنه في المظاهرات الحاشدة في المدن السورية عقب صدور تهديدات الجامعة العربية. لقد أدركت هذه الجماهير بحسها الوطني السليم حقيقة وحجم الأخطار المصيرية التي تتربّص بها وبوطنها العزيز.
واذا كان أي عربي نزيه ومتوازن لا يمكنه تبرئة نظام القمع الدموي في سورية من المسؤولية عن الحال الخطير الذي تمرّ به سورية اليوم، فليس العقاب لهذا النظام عن ذلك هو في السماح بوقوع سورية لقمة سائغة في فم التحالف الامبريالي الرجعي العربي. فالمهمة الطارئة، والتي تتقدم على كل ما سواها بلا استثناء ولا تأجيل هي، اليوم، تحشيد كل القوى الشريفة في سورية والعالم العربي لصد واحباط المؤامرة، التي لم يعد باستطاعة أحد تجاهلها ولا تجاهل أهدافها، التي تستهدف سورية الوطن والشعب، الموالاة والمعارضة الشريفة، على حدّ سواء. والسؤال هو: هل ستكون نتائج المعركة على سورية مؤشرا بالغ الدلالة فيما اذا كانت قوى الثورة المضادة، الدولية-العربية، قد أفلحت في استيعاب الحراك الشعبي العربي العظيم وتجييره لصالحها؛ أم ستكون نكسة نوعية مدوّية لهذه القوى الدولية تضاف الى أزماتها العميقة التي تعيشها هذه الأيام، وانهيارا، ليس فقط لخطوط الهجوم، بل ولخطوط دفاع قلاع الرجعية العربية التي تجهد، اليوم، بشكل مستميت لابعاد رياح التغييرعنها؟
في العام 1935، حين غزت القوات العسكرية اليابانية منشورية الصينية، كانت الصين تمرّ في حالة صراع عسكري حاد بين جيوش حكومة تشان كاي تشيك وقوات الثورة بقيادة ماوتسي تونغ وحزبه الشيوعي. لكن بمجرد وقوع الغزو المذكور، بادر الشيوعيون بتوجيه نداء الى تشان كاي تشيك وجيوشه بالوقف الفوري للاقتتال الصيني – الصيني والتوحدّ في وجه الغزو الياباني. حاول تشان كاي تشيك، في البداية، التهرب من هذه المسؤولية الوطنية الأولى، لكن جنرالاته أرغموه على التجاوب، لتتوحّد الصين كلها في وجه العدو الخارجي. والوحدة لصد العدو الخارجي، لم تمنع تجدد الثورة بعد دحره، كما هو معروف في تاريخ الصين. وفي الوضع السوري الملموس، يمكن وينبغي تصدّي كل السوريين الشرفاء لدرء أي تدخل خارجي في الشأن السوري، باعتبارها المهمة الأولى والأقدس، ومواصلة الضغط الجماهيري، في الوقت ذاته، على النظام لتحقيق الاصلاحات كافة التي خرجت الجماهير السورية الى الشارع لتحقيقها، حتى يتغير هذا النظام شكلا ومضمونًا. في الوقت ذاته، ستكون معركة صد تدخل قوى الثورة المضادة، الدولية والعربية، آخر وأهم اختبار ليس فقط لوطنية النظام السوري، وانما كذلك لمدى التزامه، أخيرا، بتنفيذ الاصلاحات الجذرية المطلوبة.
(عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني)
