الغزيّ الساخر

single

صديقي ورفيقي أبو إبراهيم علي عاشور (1926-1997) الغزيّ الحيفاويّ من محرري صحيفة "الاتحاد" الذين ارتبط اسمهم باسمها ، وكان الروح اللطيفة الخفيفة المرحة التي تضفي على هيئة التحرير جوا من المرح حتى في أشد الظروف حلكة ، وما زال أبناء جيلي يذكرون سلسلة مقالاته التي نشرها في "الاتحاد" بعد زيارة الرئيس أنور السادات للقدس ، وكان ينهي كل مقال منها بأن السادات لن يحصل من الرئيس الإسرائيلي مناحم بيغن إلا على الإصبع الوسطى.
  كان أبو إبراهيم إنسانا متواضعا محبوبا سلاحه السخرية قولاً وكتابةً. روى لي صديقي الصحفيّ نظير مجلي أنّ النقاش احتدّ في جلسة من جلسات هيئة التحرير بين إميل حبيبي، رئيس التحرير، وبين علي عاشور، نائبه ، فحاول إميل إسكاته فاتهمه عليّ بكم الأفواه فغضب إميل وقال: هل تتهمني يا رفيق عليّ بأني لستُ ديمقراطيا؟ فردّ علي عاشور: معاذ الله. أنت يا أبا سلام ديمقراطي وديمقراطيتك هي أعلى مراحل الدكتاتورية. وهذا الردّ يذكرنا بمقال لينين الشهير: الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية.
 حينما وقّع الرئيس أبو عمار، رحمه الله ، اتفاق أوسلو وبوشر في تطبيق مرحلة "غزة وأريحا أولاً" كان علي عاشور حزينا ولما سألناه عن سر حزنه أجاب: أخشى أن تقوم دولة فلسطين في قطاع غزة فقط. هل تنبّأ بإمارة غزة؟ وبعد لحظات صمت أضاف: وعندئذ يكون شعار الدولة غصنيّ ملوخية أخضرين وقرنين من الفلفل الحارّ. وسكت ثم قال: ويضع الواحد منا قرنا في فمه و......
  نشر علي عاشور عدة قصائد في مجلة "الجديد" فيها سخرية مُرة فبعد أن احتلت إسرائيل سيناء وقطاع غزة والقدس والضفة الغربية والجولان كتب قصيدة اسمها "رفرف يا علم" :
                    يا علما يزرق بخطين ونجمه
                    رفرف ما شئتَ وما شئنا أن نبقى في الظلمه
                    رفرف في الجولان وفي سيناء وفي أعلى قمه
                    نحن الأحرارَ ولكنا دسنا حريتنا بالصرمه

وفي قصيدة أخرى يسخر من البقرة الإسرائيلية المقدسة فيكتب: " باسم الأمنِ ، وحفظ الأمنِ ، يدوس الأمنَ ، رجال الأمنِ. باسم الأمنِ ، فقدنا الأمنَ ، وصار الأمنُ عدو الأمنِ "
  وكان من عادة علي عاشور نظم القصائد والاستكشات الظريفة التي تغيظ الشعراء والصحفيين من زملائه فعندما احتفلت مجلة "الجديد" الثقافية الأدبية في احدى السنوات بعيد ميلادها وغاب عن الاحتفال رئيس التحرير الكاتب صليبا خميس قال علي عاشور: 
                          إنّ "الجديد" مجلةٌ شهريةٌ فيها أدب
                          ورئيسها الغالي صليبا يوم حفلتها هرب
                          وإميلُ توما كاتبٌ فيها وأتعب ما كتب
                          فمقالهُ عن عشر صفحات يزيدُ إذا اقتضب
                          عيدٌ لِبيتِ ثقافةٍ حُيّيتَ يا بيت الأدب
  وفي تلك السنوات صدر ديوان "مع الفجر" للشاعر راشد حسين و "مواكب الشمس" للشاعر سميح القاسم و"عصافير بلا أجنحة" للشاعر محمود درويش و" أشدُ على أيديكم" للشاعر توفيق زياد فكتب علي عاشور ساخرا:
                        "مواكبنا" التي سارت مع الشمسِ
                         بلا شمسٍ ولا "فجرٍ"
                         تُحييكم.
ويضيف أبو ابراهيم ساخرا مداعبا:
                       "عصافيري" التي طارت
                       بلا ريش وأجنحة ،
                       سأمعطها وأذبحها وأشويها
                       وأطعمكم وأسقيكم
                       " أناديكم "
                       أشلحكم أواعيكم.

قد يهمّكم أيضا..
featured

هل تمهد اسرائيل لضرب المنشآت النووية الايرانية ؟

featured

الذات المرهونة لدى الآخرين: مسلسل"خِرْبَة" كنموذج

featured

سليم الديب – وطنية تقاس بعمق أمميتها

featured

لـيـتـكـم لا تـظـنّـون بـي الـظـنـون!

featured

من يكتب التاريخ !

featured

العدوان الأخير على سوريا كان خماسيا وليس ثلاثيا

featured

قُتِل شاب مُعتل نفسانيا، ويُمْنع والداه من رؤيته في مستشفى إسرائيلي