من يكتب التاريخ !

single

* كنت أفضل مناقشة كتاب د. عادل مناع لدى صدوره، وليس قبل أشهر من صدوره. والحقيقة أنه لم تصادفني، حتى الآن حالة كهذه، مناقشة كتاب يتعرض لتاريخ جزء من الشعب الفلسطيني في أصعب فترات نضاله، دون توفر الكتاب أمام المهتمين بالأمر. ولذلك فإن هذا التأريخ للدكتور مناع الذي كان المفروض أن يوفر لنا الأدوات لدراسة تجربتنا، قد أصبح، بعرضه المبتور، جزءًا من سجال حزبي سياسي آني، لا يفيد

* كان بالإمكان الانتظار بضعة أشهر أخرى، من أجل خوض نقاش فكري نزيه، وعدم الاكتفاء بعناوين من الدراسة قد لا تطرح الصورة برمتها*

 

استمعت هذا الأسبوع لحوار إذاعي مع قائد سابق في الجيش الإسرائيلي؛ فقال إن بن غوريون سأله: "من قتل جوليات"، "بالطبع داوود"، أجاب. فرد بن غوريون، أقرأ التوراة وستدرك أن "ألحنان"، وليس داوود، هو من قتل جوليات، ويضيف ذلك القائد أن بن غوريون قال له، إن التاريخ  ينسب البطولات لمن لديهم النفوذ والقوة.. وقد تذكرت، بدوري، أن من تم إحراقه على الموقد لم يكن غاليليو، إبان محاكم التفتيش؛ غاليليو كان صديق البابا وحظي بتعامل خاص.. بينما فيلسوف آخر، اسمه جوردانو برونو، ومن يذكر اسمه الآن في هذا الزمن الخؤون، هو الذي دفع حياته ثمنًا لمبادئه، وعاش في فترة غاليليو.
وتاريخنا المعاصر يعج بالأمثلة، فموشيه ديان الذي تسلّم قيادة الجيش بضعة أيام قبل حرب حزيران أصبح، بقدرة قادر، رمز هذه الحرب (ورمز الغطرسة الإسرائيلية).. وعندما هُزم الجيش الإسرائيلي، في حرب أكتوبر، عام 73، سُجلت الهزيمة، باسم شخص آخر اسمه دافيد ألعازار. ولذلك يبقى السؤال المركزي، هو من يكتب التاريخ؟
لدى الجماهير الفلسطينية الباقية في وطنها، تتم كتابة التاريخ من خلال المقالات والمذكرات، وتنتج القناعة الخاطئة وكأن أصحاب هذا التاريخ باقون للأبد، فيأتي من يذكّرنا، من فترة لأخرى، أن هنالك آخرون يسعون لكتابته.. أهلاً وسهلاً.. لكن كتابة التاريخ تحمل في طياتها مسؤولية كبيرة، وجزءًا منها أخلاقية، فيتطلب الأمر، لدى كتابة التاريخ، من الموضوعية أضعاف مما تتطلب الكتابة عن أحداث اليوم،  فكتابة التاريخ تتعرض، من بين ما تتعرض له، لنشاط أناس قد رحلوا، بغالبيتهم، عن هذه الدنيا، ولم يعد بإمكانهم الدفاع عن أنفسهم.
ومع ذلك، وحتى إن لم يعد بإمكان هؤلاء الدفاع عن أنفسهم، تبقى هذه القضية في السياق التاريخي مع أهميتها قضية أشخاص، ولكن الأهم أننا نريد أن نستفيد من التاريخ.. ومن أهم الأمور التي يمكن ذكرها هنا، بالإضافة للموضوعية وتسلسل الأحداث، هو وضع الأمور في سياقها، لأنه لا يمكن تقييم أداء أناس يُسعفون مصابًا بنوبة قلبية، على جزيرة نائية، مثلما نناقش أداء طاقم طبي يعالج نفس الحالة في مستشفى متطور. 
ولهذا كنت أفضل مناقشة كتاب د. عادل مناع لدى صدور الكتاب، وليس قبل أشهر من صدوره. والحقيقة أنه لم تصادفني، حتى الآن حالة كهذه، مناقشة كتاب يتعرض لتاريخ جزء من الشعب الفلسطيني في أصعب فترات نضاله، دون توفر الكتاب أمام المهتمين بالأمر. ولذلك فإن هذا التأريخ للدكتور مناع الذي كان المفروض أن يوفر لنا الأدوات لدراسة تجربتنا، قد أصبح، بعرضه المبتور، جزءًا من سجال حزبي سياسي آني، لا يفيد، ولا أعرف إذا كان ذلك ما يقصده الدكتور مناع، أو ما قصدته جمعية مدى. كان بالإمكان، الانتظار بضعة أشهر أخرى، من أجل خوض نقاش فكري نزيه، وعدم الاكتفاء بعناوين من الدراسة قد لا تطرح الصورة برمتها.

***

على كل حال، ومع أنه من الخطأ أن أفعل ذلك، لأني لم اقرأ الكتاب، الذي لم يصدر بعد، فهنالك أمور مما نشر تستدعي التساؤل ولا يمكن تأجيلها أو المرور عنها مر الكرام، وهنا اعتمد على ما نُشر في صحيفة "حديث الناس":

 

1- أن يعتمد الكاتب دورًا ما للجيوش العربية هو أمر غريب عن سياق الأحداث، لقد أثبتت الأحداث أن قيادة الجيوش العربية، المؤتمرة بأمر الاستعمار، جاءت فقط لإيهام الفلسطينيين، بأن هنالك من يقف إلى جانبهم، وعندما وقعت الواقعة، تركوا الأهالي يواجهون مصيرهم الصعب. ومعبرة جدًا صرخة حسين عوض الله في كتاب عبد الرحمن عوض الله، "من فيض الذاكرة"، عن القوات المصرية، حين قال: "خيانة، خيانة، يا ناس، خشوا بلادنا (أي القوات المصرية) وهي بإيدنيا، سلموها لليهود وشردوا، يا للعار".. وفي كثير من الأماكن، ومنها الجليل، طالبت قيادة الجيوش العربية الناس، الخروج من قراها، لأن "الهجوم" العربي قادم، فساهمت بدورها في توسيع رقعة النكبة. وفي حينه تصدى الشيوعيون لهذه الدعوات المشبوهة وناشدوا الأهالي بالبقاء، وفي كثير من الأماكن كان لهذا الموقف الواعي من قبل الشيوعيين الأثر الأكبر في بقاء الناس. وباعتقادي أن هنالك حاجة لبحث دور القوات العربية، وبالذات الوهم الذي زرعته وكأنها قادرة على التصدي للقوات الصهيونية، في إحداث النكبة بهذه المقاييس المرعبة.
أنا على ثقة، أنه لو لم تكن هذه القوات موجودة لكان حجم النكبة أقل، لسبب واحد على الأقل، وهو تخلص الناس من الوهم بوجود دعم عربي ولخاضوا، آنذاك، المعركة بناء على ما يملكون وليس على الأوهام.

 

2- حول مهر البومة: إذا كانت هنالك مأثرة للشيوعيين فهي مأثرة البقاء في الوطن، وهذا المهر، ويمكن تسميته بما شئتم من الأسماء، مهر البومة أو مهر الشحرورة، تطلب أمرًا واحدًا وهو الحصول على المواطنة الإسرائيلية. والسؤال، آنذاك والآن، هل إسرائيل بحاجة لاعتراف الشيوعيين أو غيرهم بشرعيتها، وهي التي تدير ظهرها لـ22 دولة عربية. وبشكل موثوق يمكن التأكيد اليوم، أن إسرائيل ستتنازل عن اعترافنا بها، بكل سرور، إذا كان البديل هو طردنا من الوطن. أما المهر الحقيقي الذي دفعه الشيوعيون فهو النفي والاعتقال وقطع الرزق، في وقت، وتحت الإرهاب السلطوي، كان فيه نشيد "في عيد استقلال بلادي" هو النغم الآخر الوحيد. (وفي هذا السياق، والسياق مهم، نقول أن مجال السجال في تلك الأيام الصعبة كانت بين الشيوعيين وبين عملاء السلطة وأذنابها، وصَمَتَ كل من كان له رأي آخر).
ولنفترض أن الشيوعيين امتنعوا عن دفع "مهر البومة" هذا، فهل سيتم المس بوجود إسرائيل نتيجة عدم الاعتراف هذا، والسؤال الذي لا يقل أهمية ما هو البديل الذي كان على الشيوعيين طرحه، من أجل ضمان الوصول للهدف الأساسي، البقاء.. لعلنا نجد الجواب في الكتاب الموجود في درج الكاتب. 
باعتقادي أن د. عادل مناع يكتب خارج السياق، والسياق هنا، وفي كل بحث موضوعي، هو أحد أهم أركان بيت القصيد، في البحث التاريخي. ولا أريد أن أفاجئ الدكتور مناع بإيراد الحقيقة أن أهم مطلب وطني في ذلك الزمن الأسود، كان تحصيل الهوية الإسرائيلية، بل تحول تحصيل الهوية إلى أهزوجة شعبية، حينما غنى الناس، في ذلك الحين، لمحامي الأرض حنا نقارة أنه "جاب الهوية غصبن عن بن غريونا". الهوية كانت ضمان البقاء في الوطن.
ولماذا نذهب بعيدًا؟ فما رأي د. مناع بموقف الجماهير العربية الآن ضد دعوة ليبرمان لسلخ أم الفحم، بناسها وأرضها، عن إسرائيل، وضمها، بالمقابل، للسلطة الوطنية الفلسطينية؟ فهل نتوقع أن يأتي مؤرخ آخر، بعد خمسين عامًا، ليدمغ لجنة المتابعة لأنها حاربت دعوة ليبرمان، بضم أم الفحم إلى الدولة الفلسطينية؟ هل سيعتبر ذلك المؤرخ قرار لجنة المتابعة بمثابة منح الشرعية للدولة العبرية؟ وهل سيُطلَق على هذا الموقف، أيضًا، مهر البومة، أو مهر النعامة؟.. على كل حال لنترك الأوصاف الأدبية الإبداعية للأجيال القادمة، فخيالها قد يكون أوسع.

 

3- ثم ماذا يعني هذا الحديث عن أن الشيوعيين اليهود انضموا للهغناة، أي أنهم أوفياء لشعبهم، والشيوعيون العرب لم ينضموا لجيش شعبهم، لأنهم ماذا؟ هل لأنهم خونة أم لأنهم مؤتمرون بأوامر موسكو؟
لنعود للسياق، فلم يذكر لنا الكاتب، وربما ذكر ذلك في كتابه الموجود، حتى الآن، في الدرج، أن الشيوعيين العرب واليهود افترقوا، للأسف، في بداية الأربعينات، فكما يظهر أن حدة الخلاف القومي قد أنتجت موقفين، ولم يستطع الطرفان، نظرًا للهوة الواسعة بين الشعبين، الوصول إلى برنامج مشترك.
والأمر الثاني، إن الشيوعيين اليهود بالرغم من قلة عددهم عملوا بكل بطولة من أجل منع تهجير العرب، حيث أتيح لهم ذلك. وبطبيعة الحال فهم أبناء شعبهم، الذي مر بأبشع تجربة، تجربة المحرقة، ورأوا أن المعركة ليست ضد الشعب الفلسطيني، بل هي معركة للتحرر من الاستعمار الانجليزي. وبالطبع هنالك مواقف نبعت من كونهم أبناء لشعبهم الذي وضعه الغرب في قبضة الحركة الصهيوينة، وجعلها وصية عليه. وليس سهلاً حتى على الشيوعيين في فترة توتر قومي بالغ الشدة والعمق، كما حدث، أن يحافظوا على وحدتهم، وللأسف فقد حدث الانشقاق في بداية الأربعينيات. وهنالك من الشيوعيين، العرب واليهود، من لم يستطع في ظل هذا التوتر القومي، أن يحافظ على مواقفه الأممية، (بالإضافة إلى من اندس في صفوفهم من عملاء للرجعيين لتشويه مواقفهم). ولكن برأيي، بالرغم من التجربة الصعبة فأداؤهم، بالإجمال، هو أداء مشرف. ويمكن لجماهيرنا العربية أن تعتز بالشيوعيين اليهود، الأبطال في النضال ضد كل موبقات الصهيونية، حيث خاض هؤلاء نضالاً شجاعًا ضد كل أشكال التعصب في الحزب الشيوعي، وهو الأمر الذي أدى لاحقًا إلى الانقسام، في العام 1965، وخروج ذلك الجناح بقيادة ميكونيس، من الحزب. كذلك، كان ماير فلنر هو هو بطل المعارضة رقم واحد عندما ندد بالاحتلال الإسرائيلي في الكنيست إبان عدوان حزيران 67، وبعد أيام تعرض لمحاولة اغتيال تجسدت بطعنة شبه قاتلة في صدره. لقد عانى الشيوعيون اليهود، حتى سنوات متأخرة من التنكيل السلطوي في إيجاد العمل وفي مقاطعة حتى أبناء شعبهم لهم، وواجهوا ذلك ببطولة وتفانٍ عظيمين، في الوقت الذي كان فيه من لدننا، من يقيم المناسف لقادة الحكم العسكري.
والأمر الثالث، هو السؤال غير المفهوم، عن عدم انضمام الشيوعيين، إلى جيش شعبهم، إلى من ينضمون؟ الشيوعيون الذين حُكم عليهم بالإعدام من قبل جيش الإنقاذ، لأنهم نبهوا للمؤامرة على هذا الشعب؟ أم هل ينضموا إلى جيوش "ماكو أوامر"؟.. ومرة أخرى نعود للسياق. والسياق يتطلب الإجابة على السؤال عن أي جيش يتم الحديث؟ هذا "الجيش" الذي تتحدث عنه كان عبارة عن فرق محلية معدومة التسلح تقريبًا، نشطت، قدر الإمكان في الدفاع عن قراها. فلماذا نزرع الوهم وكأنه كان هنالك جيش فلسطيني أو كأن هنالك معركة متكافئة نشأت بين جيشين.  لا شك أن بطولات فلسطينية قد حدثت، ولكن في الصورة العامة، كان الجيش الوحيد هو الجيش الإسرائيلي، من حيث التسليح والتدريب ومن حيث الإدارة العسكرية الحديثة، ومقابل ذلك انتصب شعب أعزل.. وإلا كيف كان بالإمكان إيقاع هذه الأهوال بالشعب العربي الفلسطيني لو كان لديه ظل جيش وليس جيش؟

 

4- هذه التلميحات.. تارة وكأن الارتباط بالحركة الشيوعية العالمية، تفوح منه رائحة المؤامرة، وتارة وكأن هذه الحركة الشيوعية مرتبطة مع الصهيونية وآمالها.. لا حاجة للتلميحات.. لنقولها بصراحة، أن الحركة الشيوعية أيدت قيام دولة ديمقراطية على كل فلسطين، وفي حال لم يتسن ذلك، قالت، فالحل يكون بإقامة دولتين.. هذا هو الموقف، وبدل أن يكون الموقف هو النضال من أجل إقامة الدولة الفلسطينية، يزاودون، الآن.. بعد هذه التجربة المرة، على موقف الحركة الشيوعية.
وفي هذا السياق.. ومن جهة الشيوعيين الفلسطينيين، فلا بد من تقدير هذه المجموعة الشابة، التي عرفت في ذلك الوقت المبكر، وإن كان التعبير هنا غير موفق، إلى أين تتجه الريح، في الوقت الذي كانت فيه الأوهام تعصف بالقيادة المتنفذة للشعب الفلسطيني، الأمر الذي جعلها تبني الآمال على النازية، على أساس النظرية الخطيرة: عدو عدوي هو صديقي، فكان ما كان، وتم استغلال ذلك بأبشع الصور من قبل القيادة الصهيونية لتشويه صورة نضال هذا الشعب..
بماذا أخطأت هذه القيادة الشابة بجعل نفسها جزءًا من هذه الحركة الجبارة، الحركة الشيوعية العالمية؟ هل يمكن تخيل حركات التحرر، العربية وغيرها، بدون هذا المعسكر الاشتراكي؟ وفي الحسابات الأنانية الضيقة، مع أن حساباتنا ليست كذلك، هل من الممكن تخيل جماهيرنا العربية، بدون فتح الجامعات الاشتراكية أمام مئات وربما الألوف من شباننا وشاباتنا، الذين كسروا الطوق، واخترقوا سياسة هدفت جعلنا "حطابين وسقاة ماء"..
والأهم في هذا السياق، أنه بخيارها هذا أن تكون جزءًا من حركة التقدم العالمية، فقد فتحت هذه الكوكبة الشيوعية، آفاقًا إنسانية واسعة أمام شعبنا وأمام شبانه، وإذا كان نضالنا في تلك السنوات الحالكة قد حقق مأثرة البقاء،  في ظروف المستحيل، فلأن هذه الأقلية التي تُركت فريسة لوحوش ضارية، ارتبطت بفكر إنساني تقدمي مشرق، بعيد عن التقوقع والانعزال، بالإضافة إلى روح التفاؤل الذي أشعته.    
ما فعلته هذه الكوكبة الشابة، ليس فقط أنه يرفع رأس السائرين على دربهم، بل يثير اعتزاز كل وطني لأن شعبه أنبت من بين صفوفه قيادة واعية حكيمة مستشفة أبعد الآفاق، في زمن أبدت القيادات التقليدية عجزها عن قراءة الصورة وغرقت في الأوهام.
في السطر الأخير يُسأل السؤال، ما المقصود من وراء هذا التأريخ؟ فإذا كان الشيوعيون، الذين وضعوا برنامجهم بجرأة تأييدًا لقرار التقسيم، لإدراكهم المؤامرة الهائلة وبأن الخيار ليس بين النصف أو الكل، كما يحاول البعض إيهامنا حتى هذا اليوم، إنما بين النصف أو اللاشيء؛ وإذا كان الشيوعيون الذين قدموا العبرة أمام أجيال وأجيال من شعبنا ومن الشعوب العربية في القدرة على كشف خيوط المؤامرة، أمام خطاب متخلف لا يعرف سوى الشعارات وانتظار الفرج العربي الذي ثبت حتى اليوم أنه وهم ليس إلا، في أفضل الأحوال؛ وإذا كان هؤلاء الشيوعيون الذين وقفوا أمام عربات الترحيل وتصدوا بأجسادهم لهذه المؤامرات في السنوات الأولى للدولة؛ وإذا كان الشيوعيون بهذا القدر من التماثل مع المحتلين، فمن بقي لنا وطنيٌ في هذا الشعب؟ هل نفتش عن الوطنيين في صفوف ال80% الذين صوتوا في ذلك العهد لبن غوريون..
عل كل حال لا ينتظر الشيوعيون أحدًا لكي ينصفهم.. مهما فعلوا فلن يُغفر لهم، لن يغفروا لشبان في مقتبل العمر، أنهم، في اللحظة الحاسمة، ليس بعد يوم أو سنة أو عقد، بل أون لاين، أدركوا حجم المؤامرة، وبكل قواهم عملوا على الحفاظ على قدس أقداس هذا الشعب، البقاء في الوطن.
كيف يغفرون لهم وقد أظهروا عجز وخيبة الكبار..  ولذلك هنالك حاجة لجمع هذا التاريخ كما يرويه صانعوه، دون إهمال الإخفاقات، من أجل الحقيقة ومن أجل التعلم من هذه التجربة.. وإلا، فقد يقولون غدًا إن القاوقجي هو من  تصدى للترحيل، وربما سيتهمون الشيوعيين أنهم منعوا جيش الإنقاذ من إنقاذ فلسطين.. وأحيانًا تكون الغلبة لمن يكتب التاريخ.. لا لمن يصنعه..
أما بالنسبة لعنوان الكتاب المقترح، "المتشائلون"، فهناك ملاحظتان: الأولى أن هذا الإبداع العبقري لإميل حبيبي، لم يكن إبداعًا لغويًا فقط، فالكتاب كله "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل"، جاء ليكشف الوضع اللامعقول الذي وُجد فيه الفلسطينيون، في ظل دولة لا تريدهم وكيانات عربية أنكرتهم، فابتكروا أساليب مقاومة ذكية وعنيدة، ومن الصعب إدراك عمق هذه التجربة، لمن يرى الأمور بنظرة مبسطة وربما سطحية، أو حتى بنظرة أحادية الجانب، وما جرى أعمق بكثير من استلال تصريح من هنا أو من هناك. هذه التجربة تتطلب فهمًا عميقًا لنهج ذكي شجاع ومثابر، صان هذه الأقلية في ظروف طُلب منها أن تتخلى عن عمودها الفقري، التخلي عن أرضها وكرامتها القومية وامتدادها لحضاري ورؤيتها الإنسانية.  
ما جرى في العام 48، هو بمثابة "تسونامي"، قلب كل شيء رأسًا على عقب، في البناء المادي والروحي والنفسي؛ لقد انهارت واندثرت، كأنها لم تكن، القيادات الفلسطينية، انعدمت الثقة بكل شيء، وسادت أجواء من الذهول وعدم التصديق والذعر الشديد وانعدام الثقة بالنفس.. ومن بين الأنقاض كان الشيوعيون أول من خرج لعملية الإنقاذ والترميم الكبرى.. وهنالك من يأتي بعد عشرات السنين، بعد أن اعتدل "مزاج الكون"، كما يقول مظفر النواب، ليأخذ على منقذٍ ما أن حذاءه قد علاه الغبار،  خلال عملية الإنقاذ الكبرى. 
والملاحظة الثانية، أن صاحب المتشائل هو موضوع الهجوم، بصفته من الشخصيات الهامة في بلورة مواقف الحزب الشيوعي على مدار سنوات طويلة، وبما أنه في موضع الهجوم، فليس من اللائق لمن يهاجمه استعمال إبداع لغوي متميز خاص به!

قد يهمّكم أيضا..
featured

المطلوب تضامن يليق بالنضال!

featured

140 عامًا على ميلاد القائد العظيم: لينين: التقديس، الإنكار، وشجرة الحياة

featured

وجهان لعملة واحدة

featured

نعيق غراب البين!

featured

الربيع العربي القادم سيلهب منطقة الخليج

featured

آلام شعبك.. معك

featured

إرهابهم يدل عليهم وعلى ارتباطاتهم