ألذين يحتكرون الألم والعذاب لأنفسهم وشعوبهم فقط خاطئون وضالون ومقيدون اختيارا في قوقعة معتمة، فالألم صفة انسانية عانى ويعاني منه شعوب عديدة في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا، وتختزن الذاكرة البشرية قصصا وألوانا لممارسات وحشية همجية نفذتها فرق الموت وجيوش القتل في مدن وبلدان عديدة على مدار عقود وقرون خلت، فالتاريخ البشري متخم بالمآسي والمذابح والمجازر والبوغرومات وجرائم الإبادة.
والذين ينكرون المحرقة التي نفذها الوحش النازي في معتقلات الموت في بولندا واليونان والعديد من الدول الأوروبية، يحاولون بغباوة منقطعة النظير طمس الحقيقة وتغطية عورة النازي العنصري القبيحة، وهم بهذا الغباء يشوهون صور شعوبهم أمام الانسانية والعالم المتحضر، ويضرون بقضايا شعوبهم العادلة.
هناك جرائم كبيرة وهائلة وقعت في العقود الأخيرة الماضية، نفذتها الولايات المتحدة الأميركية في فيتنام وافغانستان والعراق، وارتكبتها فرنسا في فيتنام والجزائر، واقترفها الصرب في البوسنة والهرسك، كما اقترفتها إسرائيل بحق الشعبين الفلسطيني واللبناني والشعوب العربية.
لقد تركت هذه الجرائم المجازر الهائلة البشعة ألما وغضبا عند الشعوب التي ارتكبت بحقها واعتزازا بتضحياتها، الا انها لا تقارن من ناحية حجمها بجرائم الوحش النازي، واية مقارنة بينها وبين المحرقة عملية جاهلة وغير ضرورية وتخاطب العاطفة والعقل .
درست بتوسع تاريخ الحرب العالمية الثانية، التي اسماها رفاقنا السوفييت، الحرب الوطنية العظمى، وقرأت كتبا عديدة عن المحرقة وشاهدت افلاما سينمائية عن ممارسات الوحش النازي وشعرت وتألمت مع الضحايا من يهود ومسيحيين ومسلمين، من عرب وغجر، من أوروبيين وآسيويين وأفارقة، وانحنيت اجلالا لهؤلاء الأبطال الذين قاوموا النازية في المعتقلات وفي ميادين القتال، ولهؤلاء الأبطال السوفييت الذين انقذوا العالم من براثن الوحش النازي، الذين كنا نحتفل بذكرى نصرهم في أيار من كل عام في غابة قرب القدس.
ألموقف من النازية والفاشية والدكتاتورية والعنصرية لا يتجزأ، إما أن تكون ضدها وعندئذ تخدم انسانيتك، وتخدم ضميرك وتخدم شعبك، وإما أن تكون معها قولا أو فعلا وكليهما، أو سكوتا، فلا حيدة في جهنم ولا حيدة في محاربة ومناهضة هذه البشائع الوحشية، وعندئذ تتهاوى انسانيتك كورقة خريف في صحراء.
زيارة النائب محمد بركة لمعتقل أوشفيتس ضمن وفد برلماني- لا حكومي- عمل انساني رائع لا يقوم به إلا سياسي شجاع، ووطني فلسطيني يحب شعبه، وعربي أممي ومناضل ذكي يعرف كيف يطرح قضايا شعبه وكيف يصارع اليمين المتطرف المسعور في عقر جحره.
لو قُيض لي أن أزور اوشفيتس أو غيره من معتقلات الإبادة الجماعية، لقرأت الفاتحة على أرواح هؤلاء الضحايا، من يهود ومسيحيين ومسلمين وعرب وعجم، وعاهدتهم أن أبقى أناضل وأعمل وأكتب كي لا يتكرر في عالمنا ما حدث لهم وأن أعمل بكل ما أوتيت من قدرة انسانية لفضح العنصرية ولجمها في بلادنا وفي عالمنا.
يا أخي ورفيقي أبا السعيد
الحق معك، والبركة معك، وآلام شعبك معك، وبكاء طفلة يتيمة من غزة هاشم معك، ونواح عجوز من الشيخ جراح معك، وبرقوق هضاب صفورية معك فلا تتردد!!
انت شجاع ولن تتردد!!
أنا أعرف.
