النقب.. باقون
هلّت علينا هذا العام ذكرى يوم الارض البطولي السادس والثلاثين في ظل أشرس وأقسى سياسات القهر والتمييز القومي العنصري بوتيرة عالية متجددة، تنتهجها حكومات إسرائيل المتعاقبة وخاصة تهويد ومصادرة الاراضي وهدم البيوت الذي تحول الى كابوس أسود أصبح يهدد عتبات بيوتنا جميعا هدفها ابتلاع واغتصاب اراضينا وتشريدنا بالاساس، وكان بارزا ذلك على مدار التاريخ ولافتا للنظر مؤخرا بهدم عشرات البيوت في الوسط العربي وتشريد اهلها وخاصة في النقب.
هذه السياسات هدفها تشريدنا وتجريدنا من كل ما نملك من أرض ومسكن ومكان وتقويض الكيان والوجود الفلسطيني الذي يرزح وما زال تحت وطأة الاحتلال.
في الثلاثين من آذار 1976 هبت جماهيرنا الصامدة في الجليل والمثلث والنقب تلبية لدعوة لجنة المتابعة للجماهير العربية احتجاجا على قرار الحكومة آنذاك بمصادرة (21) ألف دونم من اراضي الجليل وأية هبة كانت..حيث خرجت جماهيرنا عن بكرة أبيها بألوفها المؤلفة الى الشوارع في هبة صاخبة كرد واحتجاج على قرار الحكومة العنصري مما أدى الى سقوط عدد من شهدائنا الابرار البواسل الذين قدموا دماءهم وارواحهم وحريتهم ثمنا لاستمرار بقائنا فوق هذه الارض الطيبة لأننا نحن أصحاب الحق على هذه الارض وليس لمن اتوا اليها من مرتزقة! في ذلك اليوم الباسل عبر ابناء شعبنا عن مدى تمسكهم وتشبثهم بالارض، واستعدادهم بأن يقدموا دماءهم وأرواحهم من أجل الحرية والعيش بكرامة على هذه الارض.
هذه الهبة الشعبية المباركة التي لم تذهب هدرا بل جعلت حكام اسرائيل يعدلون عن قرارهم بمصادرة الاراضي مما زاد كفاح شعبنا قوة وعزيمة وإصرارا في الدفاع والتصدي لمصادرة أرضه والتمسك بحقوقه الثابتة والشرعية، ويكتسي تخليد ذكرى يوم الارض برمزية ذات خصوصية بالنسبة لنا إذ تؤشر لليوم الذي أعلن فيه أبناء الشعب الفلسطيني عرب الـ (48) تمسكهم بأرض أجدادهم وأبنائهم وتشبثهم بهويتهم الوطنية والقومية وحقهم في الكيان والوجود.
لقد شكلت الارض وما زالت مركز الصراع ومحور مسألة الوجود الفلسطيني ومستقبله، فبقاؤه مرتبط بالحفاظ على كل ذرة وحفنة تراب في كل بقعة من بقاع هذه الارض الطيبة، وانطلاقا من هذا المبدأ فقد نسج شعبنا علاقة حب ابدية مع أرضه سرعان ما تحولت الى شرط للوجود.
ومع تتويج العام السادس والثلاثين لذكرى يوم الارض علينا تعزيز الكفاح الوطني ورص الصفوف وتجديد العزيمة ليوم ألارض وتحويله الى يوم وطني تشمخ فيه الهامات وترفع فيه رايات الكفاح الوطني في مختلف مناطق تواجد شعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات، وفي مقدمة ذلك تعزيز الوحدة الوطنية وابراز الطابع الشعبي لنضال شعبنا ورص كافة مركباته في مواجهة سياسة التمييز القومي العنصري ومصادرة وتهويد الاراضي، لنضع هذه الذكرى الهامّة في سلم أولوياتنا ولتكون جزءا لا يتجزأ من حياتنا وحقوقنا المشروعة، ولتكن رسالة حملها الاجداد والآباء وستحملها الاجيال القادمة كحق شرعي لا يمكن التفريط به ولا التخلي عنه لأننا شعب يتميز ويمتاز بتمسكه بالمبادئ والحقوق الشرعية.
تحية لشعبنا الفلسطيني بكافة مركباته في الداخل والخارج الذي التزم بتخليد ذكرى يوم الارض السادس والثلاثين بالمشاركة المهيبة والمبدئية في كافة الفعاليات والنشاطات إحياء للذكرى ولنقل كلمة واحدة اننا أصحاب هذه الارض ولدنا عليها وسندفن فيها. في هذه الذكرى نؤكد بأنه مهما طال الاحتلال، واستمر في عدوانه وغطرسته وقمعه فإن التمسك بالأرض يعطينا القدرة على قهر العدوان عن أرضنا الفلسطينية وتمسكنا بحق العودة، فالأرض أرضنا والحق معنا، فمهما طال الزمن لا بد لليل أن ينجلي ولا بد لشمس فلسطين الساطعة أن تنير أرض وطننا الغالي وتحرق أفكار المحتل الغاصب.
هذا الصمود الأسطوري لشعبنا في أرضه شكل نواة أساسية لما نحياه اليوم في عصر الانتفاضة المستمرة ليلتحم فلسطينيو الـ 1948 مع الفلسطينيين في الضفة والقطاع ومع باقي قطاعات شعبنا في مناطق الشتات ولتكون انتفاضة شعبنا التي هزت آلة القمع الإسرائيلية والتي وجدت صداها،والتضامن معها في كل أرجاء العالم.
في هذه المناسبة العظيمة لا يسعنا إلا أن نوجه التحية كل التحية للصامدين في منازلهم وأراضيهم وممتلكاتهم في الجليل والمثلث والنقب وباقي الأراضي الفلسطينية المحتلة في وجه سياسة الاحتلال والتهويد وسرقة ونهب الأرض الفلسطينية ومصادرة البيوت وهدمها.
في ذكرى يوم الأرض السادس والثلاثين نوجه التحية كل التحية لأهلنا الصامدين الصابرين داخل الوطن المحتل المتصدين لسياسة المشروع الإسرائيلي الذي يهدف منذ العام 1948 إلى سياسة التهجير القسري عن مدنهم وقراهم بقوة الإرهاب والقتل، ومواصلة بناء المستوطنات والسيطرة على الأراضي الزراعية للشعب الفلسطيني في ظل بناء جدار الفصل العنصري الذي يتلوى كالثعبان في الأراضي الفلسطينية مصادرا آلاف الكيلو مترات من الأراضي الفلسطينية مما أدى إلى تقطيع أوصال القرى والمدن الفلسطينية بعضها عن البعض الآخر.
في ذكرى يوم الأرض هذا نؤكد على حقنا ضمن شرعية حقوق الإنسان على العودة إلى الوطن والأرض وعلى حقنا في العيش بكرامة وحقنا بإقامة دولتنا الفلسطينية على أرضنا فلسطين وعاصمتها القدس وحق أبنائنا بأن يعيشوا وينعموا بحياة حرة فوق أرض فلسطين.
لنجعل هذه الذكرى يتجدد فيها العهد والوفاء لأرضنا الغالية ولشهداءنا البواسل والابرار الذين ضحوا بدمائهم وأرواحهم ثمنا باهظا من اجل الحرية والبقاء والعيش الكريم على هذه الارض الطيبة، التي كما قال فيها شاعر فلسطين ورمز قضيتها محمود درويش "على هذه الارض ما يستحق الحياة" وشاعرنا الكبير شاعر الثورة والقائد السياسي توفيق زياد عندما قال في قصيدته "هنا على صدوركم باقون".
