// بربكم، هل يمكنكم تخيل فلسطين من دون شجر الزيتون؟ وإلى ماذا سوف يؤدي هذا القص والقطع والحرق المتواصل؟ وماذا سيتبقى لنا في ظل إبادة مستديمة منذ حقب وسنوات؟ وكيف يمكن أن ندعي بعدها أن لدينا طبيعة خاصة بأرض البلاد دون أن تكون فيها مصاطب الزيتون التي زرعها الأجداد منذ بداية التاريخ؟
يأتي موسم الزيتون هذا العام، وتبدأ معه المجزرة المستمرة التي يقوم بها المستوطنون بحمايةٍ متميزةٍ من جيشهم. وتتتالى الأرقام. تُحرَق المئات من الشجرات "الروميات" كبيرات السن والمقام، وتُقص عشرات المئات من الشجيرات اليانعة المليئة بنسغ الحياة بمناشير كهربائية تحمل الجريمة وبطش الاستعجال، بحيث يفوق دمار أشجار الموسم مجمل العام كله. ومن ثم، تُسرَق شوالات الزيتون، ويفوز بها سارقون وقحون لا يعتمدون سوى الشر والعدوانية في تعاملهم مع الغير. ولربما تُختَطَفُ حياة فلسطينية هنا أو هناك من عائلةٍ تجمع زيتوناتها بفرح الجنى وشوق الاخضرار بين قطاف وقطاف. فيزعل الناس، ويغضبون، ويعربون عن حزنهم، ثم تنتهي المسألة عند هذا الحد، وكأنها حدثت لقريةٍ أو منطقةٍ محددةٍ أو بشرٍ تابعين لعائلات أو مناطق خاصة لا دخل لنا بها.
لم أسمع حتى الآن من يعلن بشكل خاص عن شهداء الزيتون الذين أزهق المستوطنون أرواحهم البريئة في السنوات السابقة، ولم أعثر على متابعةٍ خاصةٍ على المنابر الإلكترونية على الشبكة التي يتبارى آلاف الشباب عندنا في متابعتها.
وحكماً، فإن غيرنا من البشر ممن يعيشون في أرجاء الكرة الأرضية لن يعرفوا معنى الجروح المعنوية والمادية التي يخلفها اقتطاع كل شجرة من أرضنا. وعدا حفنة من المتضامنين الدوليين الشجعان، فلن يحسّ أحد بما يحدث معنا في هذا العالم الطويل العريض الذي تتردد فيه الهمسات والأخبار الصغيرة بكافة أشكالها، فتصل عبر الصحف وعبر شبكات التواصل الاجتماعي إلى كل الزوايا، سواء أكانت معروفة أم مغمورة، لتصبح دوياً هائلاً ينقل الصوت إلى كل من يعيش في أنحاء الكوكب.
فهل ما نتعرض له مما يحدث في فلسطين في موسم الزيتون قليل؟
أم أننا اعتدنا النظر إلى الكارثة والتحديق بها، ومن ثم التشاغل عنها إن لم نكن في وسطها بشكل شخصي، والانتباه إلى شؤون حياتية بسيطة أو اعتيادية بعدها بزمنٍ بسيط كأن شيئاً لم يحدث ما دام حدث لغيرنا من أهل بلدنا؟
كثيراً ما سمعت تعليقات خلال عصر الحواجز الكثيفة التي جللت طرق فلسطين بأجمعها أيام الانتفاضة الثانية، مفادها أن قدرة الشعب الفلسطيني على الاحتمال تنقلب عليه. نحتمل الحواجز وإغلاق الطرق بين المدن، ونعتاد عليها، وتصبح شيئاً روتينياً من صميم الحياة أو كأنه القدر المحتوم. قد نتذمر أو نشتكي مما نعاني، لكننا لا نداويه بالبحث عن حلولٍ قد تتيسر بالبحث الإبداعي والمواظبة الحثيثة، وأولها تصوير ما يحدث وإعلانه على العالم بأجمعه.
فكيف نتخلص من الاحتمال اليائس على طريقة جمل الصحراء، دون وعد بخلاصٍ يحررنا من غياب الروح وانعدام الأمل، لنبدأ ما يرسم خطوة أولى على الطريق؟!
كيف يمكننا حقاً إنقاذ الزيتون؟ تلك الزيتونات اللاتي أضأن فجر تاريخنا، وقدمن لنا الزيت والغذاء والدفء والعلاج. تلك الشجرة الفريدة التي ارتبطت بنا وبالأرض منذ فجر الأزمان؟
بربكم، هل يمكنكم تخيل فلسطين من دون شجر الزيتون؟ وإلى ماذا سوف يؤدي هذا القص والقطع والحرق المتواصل؟ وماذا سيتبقى لنا في ظل إبادة مستديمة منذ حقب وسنوات؟ وكيف يمكن أن ندعي بعدها أن لدينا طبيعة خاصة بأرض البلاد دون أن تكون فيها مصاطب الزيتون التي زرعها الأجداد منذ بداية التاريخ؟ أم أننا سوف نكتفي بالعيش بعدها على الزيت المهندس وراثياً الذي سوف يقوم الإسرائيليون ببيعه لنا، خصوصاً أن تقارير تسرب الزيت الإسرائيلي إلى أسواقنا تحت مسميات أخرى قد كُشفت بعد أن نشرت في صحفنا ومنابرنا الإعلامية؟!
هل سنخلّف العز والرفاه للأولاد والأحفاد مستقبلاً، إن احتبسوا في شقق ضيقة أقامتها شركات البناء وقروض البنوك، كي يفرحوا بالأقفاص الجديدة بعد أن لم يعد لهم زيتون كي يشاهدوا بركته، أو يتنسموا بهجة وجوده صباح مساء؟
إذاً، الحكاية مكررة، ولا ضرورة لإعادتها هذا الموسم، بقدر ما هنالك ضرورة لأن نجد طريقاً لوقفها.
يا جماعة، خذوا آلات التصوير والهواتف النقالة، وصوّروا كل هذه الاعتداءات، وانشروها على الملأ. وعلى الشباب أن يُطلعوا العالم عليها عبر المنابر الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي. فإن صار بإمكاننا أن نرى كل شاردة وواردة في البلاد والأماكن الأخرى، فلماذا لا نطّلع نحن وغيرنا على ما يحدث في بلادنا ساعةً بساعة، بل وربما في كل لحظة نحسٍ تتأتى من إبادةٍ وحرقٍ وتشويهٍ وقطعٍ لشجراتنا الغاليات؟
ليقم الأفراد والمدارس والمعاهد والجامعات والمؤسسات والجمعيات، حكومية وغير حكومية، بتنشيط عملية تصوير ونقل ما يجري على الزيتونات من قطع وحرق وتقطيع.
لنقم جميعاً بخطوات إيجابية تكافح الإبادة القادمة على ما تبقى من هذه الشجرات التي ينتظر مجرمون عنصريون إعدامها بأيديهم الحاقدة اللئيمة التي تُكرَّس لاقتلاع كل ما يرمز إلى حياة شعبنا العريق ووجوده على أرضه.
لتنشأ منابر إلكترونية خاصة بهذا الغرض، وجمعيات ومسابقات مدرسية، وجامعية.
دعونا جميعاً نكتب أشواقنا ومحبتنا والتزامنا بشجرة الحياة كي نملك سرّ حبها قبل أن تُباد.
أيها الفلسطينيون، امتشقوا كاميراتكم وهواتفكم الجوالة، وتولّوا حقول الزيتون، فلا يكفي أن نلجأ إلى "الفزعة" المحلية وحدها. وعلى العالم بأجمعه أن "يفزع" معنا في سبيل إنقاذ تلك الزيتونات.
