* راحت لشباط الجاي
استيقظ أبو "فضيل" على صوت الرعد وهطول الأمطار الغزيرة وكان ذلك في يوم عاصف وماطر من أيام شهر شباط. شباط شباط ان شبط وان لبط ريحة الصيف فيه؛ وفي آخر شباط في المستقرظات منه يقول شباط: آذار يا أبن عمي اربعة منك وثلاثة مني خلّي العجوز تحرق دولابها.
وقف مقابل الباب يمتع نظره بغزارة المطر والبَرَد مثل الجمش يخبط على الأرض وقال: ما شاء الله الدنيا اليوم حابس لا روحة ولا جينة.
عادته الانتقال من ديوان إلى مضافة ومن منزول الى زاوية وهو فكاهي، بارع، عذب الحديث وانيس المجلس ومهرّج ناجح ضحوك وصاحب طُرَف ومقالب عديدة انقضَّ على كوم القرامي والحطب القابعان. في زاوية في قاع البيت البعيد عن مربط الدواب البغلة والفدان تناول الحطب والقرامي ووضعها في كانون النار من الطين واشعل النار فتصاعد اللهب وتصاعد الدخان في سماء البيت في طريقه إلى الداخون وقال والنار فاكهة الشتاء ولّي ما يصدق بنصلي.
جلس أبو فضيل بجانب الكانون والنار مشتعلة فأحضرت زوجته "عفيفة" الفطور على طبق من القش ورغيف خبز طابون وصحن زيت مع زعتر وصحن زيتون مملح اسود وأبريق شاي. انتهى من الفطور استرخى على الطراحة مد جسمه واشعل سيجاره واتكأ على كوعه سرح بتفكيره وراح يتخيل موسم السنة الشتوي متمنيًا من الله ان تكون الغلة كبيرة والكديس على البيدر كبيرا، باعتقاده لغزارة وكثرة هطول الأمطار في هذه السنة سيكون كذلك موسم الصيف من البطيخ والسمسم والشمام موسم يعود بالخير والفائدة يسدد ديونه المتراكمة.
تركته زوجته ودخلت المطبخ المجاور للبيت وتناولت الطحين وبدأت تتهيأ للعجين طغى الدفء البيت فسرى في عروقه اخذته غفوة فإستيقظ على مواء قطة وقط دخلا البيت مسرعين بمواء متواصل، وكانت القطة تموء بغنج ودلال جثمت على المصطبه تلوح بذيلها لحظات اعتلى القط الذكر ظهرها وراحا يمارسان الحب بلا خجل من ابي فضيل ولا وجل فهاجت احاسيسه وتدفقت الغيرة في عروقه ولّي ما بغار أبو حمار، فاشتعل رماده فضحك مع نفسه وراح ينادي بِصَوتٍ عالٍ يا "عفيفة" فرّدت عليه نعم يا "أبو فضيل" فقال اسرعي تعالي- عزا قاعدة اعجن بقلك اتركي العجين وتعالي بسرعة لم تستجب لطلبه انتهت من العجين في هذه الأثناء كان القط والقطة قد انتهيا من مهمتهما بنشوة عارمة فقفزا وغادرا المكان.. خمدت نار أبو "فضيل" وهمدت وعاد رماده اليه دخلت "عفيفة" وقالت مالك يا أبو "فضيل" فردّ عليها عابسًا ضاحكًا: خلص راحت لشباط الجاي..
*خذ معطفك فضحني
في يوم ماطر وغزير من نفس شهر شباط وفي سعد ذابح منه جلس "أبو فضيل" في الديوان مع رواد الديوان يحتسون القهوة السادة ويتجاذبون اطراف الحديث فأخذ
يغرف من بحر درره من نكت وطُرَف يمطر جلساءه بها، انفضَّ الديوان وخرج مع النزلاء فاستوقفه صاحب الديوان رجل ميسور الحال وكريم النفس والقى على كتفيه معطفًا هذه هدية مني دفي ضلاعك ارتدى المعطف شاكرًا صاحب الديوان ولحق بالنزلاء في طريقه إلى البيت. عاد بعد أسبوع دخل الديوان قاطب الجبين عاقد الحاجبين واجمًا يتأفف، لاحظه الحضور واثار استهجانهم فسأله صاحب الديوان مالك يا أبو "فضيل" ناقصك شيء، اطرق قليلًا وهو ينظر الى صاحب الديوان وعيناه تشعان بالعتاب، خلع المعطف ورماه على الارض وقال: خذه عزر علي وفضحني كل ما مريت من باب بيت فيه امرأة او التقيت بامرأة في الشارع كان يشدني نحوها. هو يشد وانا اشد غلّبني فضحني في هذا الأسبوع ما عندي طاقة اشد. معطفك حنون للمرأة مثل صاحبه فضحك النزلاء وضحك صاحب المعطف وقال له الله يفضحك فضحتني، هذا جزاء المعروف؟
* خليها قص جحاش
قام ثلاثة وجهاء التقوا في مضافة "الزاوية" بزيارة وجيه من عائلة في حارة نائية وكانت المضافة تعج بالجلساء يحتسون القهوة السادة ويدخنون السجائر ويتجاذبون اطراف الحديث ودخل الوجهاء المضافة فنهض الجميع يرحبون ويكرمون الثلاثة واجلسوهم في صدر المضافة احتراما واجلالا، وبعد الترحيب والتهليل قام احد الجلساء من أقرباء الوجيه صاحب المضافة تناول الصينية وعليها فناجين القهوة والمصب وهمَّ ليكرم اولًا الوجهاء فنهره صاحب المضافة وين رايح ارجع وصُب القهوة وابدأ من هون وخليها قص جحاش.. فضحك منه الوجهاء واضحك الجلساء (ملاحظة جميع الأسماء الواردة لا علاقة لها بالواقع).
(عرابة البطوف - الجليل)
