ثلج ثلج..

single

ظلّ أخي ورفاقه حتى السادسة إلا ربع صباحًا ينتظرون الثلج. وابنة أخي أعلنت على الفيسبوك في ساعة مبكرة أنها "بلشت نعف"، وهو التعبير القروي المنعش المستخدم لوصف هطول الناعم الأبيض.
حلول ضيف السماء الناصع على الأرض أثار كالعادة فرحًا مفهومًا. فهناك متعة خاصة على حدود الطفولية العفوية، تنطلق حين ترسم الطبيعة محيط البشر بألوانها دون أن تسألهم، ولتعيدهم الى حجمهم الحقيقي والمحدود!
بالمقابل أيضًا، على امتداد طول وعرض المساحة الاعلامية الاسرائيلية، كانت الدهشة السعيدة سيدة الموقف. توالت العناوين والصور على مواقع الانترنت الصحفية، وتغنّت صحفية اذاعية بروعة السلوك "بطبيعية" حين تُفتتَح نشرات الأخبار بأمور الطقس بالذات. وكأني بها أرادت القول ضمنيًا: نحن في أوروبا يا جماعة، وهو حلم الأحلام الاسرائيلي – بل الوهم – غير الضمني بل السافر سفورًا مثيرًا للغيظ والشفقة معًا.
ولكن ما ان انقضت ساعات وحلّت عشيّة يوم الثلج، حتى بدأ التذمّر والتبرّم يبعبعان. فتعددت المقالات والمقولات التي شكت من تحوّل المشهد الأبيض الى ماء امتزج بالتراب لدرجة الوحل مع بدء الذوبان. كأنّ الأمر بكاء بنّي الدمع على فقدان حلم الطفولة الأبيض.
المسألة تتعدى الثلج بالطبع. فكل عودة للواقع تثير تذمرًا مستهجنًا في هذه الإسرائيل العجيبة. والأنكى هو أن يرى المرء الماء المتغلغل في تربة البلد بألوان قاتمة وسياقات مستبشعة ومشمئزة.. ولا أدري الى أية درجة يقول هذا شيئًا عن درجة ارتباط مدّعي امتلاك البلد، بتراب البلد. فمن يحب البلد يفترض أن يحب ترابه.
من جهتي، سأتفشخر وأتبختر وأقول: تأخرتُ يومين على ضيف السماء الأبيض. مساحاته على الكروم والسفوح وجنبات الطرق كانت قد بدأت بالانحسار الخفيف. فخلقتْ جزرًا من التربة الحمراء وأخرى عشبية خضراء. نعم، كان هناك وحل، لكنه بديع. فهذا هو بالضبط نتاج خليط التراب بالماء – وهما اثنان من العناصر الأساس التي تخيّل اجدادنا الإغريق من الفلاسفة أنها مكوّنات الكون الفسيح.
ككل ابن وابنة لهذا البلد، ككل من يعيشه "تينًا وزيتًا"، أحبّ تراب بلدي ومائه وثلجه وشمسه وعشبه وشجره وجبله وساحله، ووحله أيضًا. أحبها كلها ببعدها الفلسفي وببعدها المباشر الملموس المحسوس المُعاش جدًا. وليس كمن يحب البلد بقوّة البندقية ولا يطيق الانتماء الى محيطه، فيختار المنافسة على بطولات كرة السلة و"الأورفزيون" في أوروبا، ويصمّ اذاننا في هذا البرد القارس وفي الصيف القائظ بأن البلد له وحده لا شريك له..

قد يهمّكم أيضا..
featured

العلاقة الجدلية بين البناء التحتي والفوقي للمجتمع (1)

featured

الإرهاب باسم الله!!

featured

الاتحاد.. جريدة!

featured

دفاعا عن العاملين والمظلومين اجتماعيا: الجبهة عنوان النضال

featured

نصر أسوأ من هزيمة

featured

رسالة مفتوحة إلى الإخوة في قيادة الحركة الإسلامية: أفشلوا برنامج نتنياهو بحنكتكم

featured

درس أيار 1958 وإحياء النكبة<br>الجبهة: سنُحيِي النكبة ونناضل من أجل الاعتراف بها

featured

شعب مصر عصيّ على الظالمين وللظالمين طمع لا ينتهي بالشعب وثورته