أمس فقط صعدت الى المقبرة لأزور قبر أبي.. بعد غياب يزيد عن عامين..
لا أدري لماذا غبت عنه هذه المدة..!
أخذت له أغلى هدية يتمناها.. جريدة الاتحاد..!
احب الجريدة حتى الموت حيا..!!
واني لأسمعه يقول : "أني أحبها في موتي حتى الحياة..!!
وأبي مات أميا "لا يفك" الحرف .. ولكنه كان يفك حروف الاتحاد..!!
قبل موته بأسابيع قليلة هاجمه المرض وقلنا: "لختيار راح فيها..!" فاستدعينا له الطبيب، وقبل ان يكشف عنه، أراد أن يداعبه، وكان يعرف تعلقه بالاتحاد، وكان شيوعيا تعلم مهنته في روسيا، فقال له مازحا :
- بداويك بشرط واحد.. بتبعد عن الاتحاد.. لأنها سبب مرضك..!!
فرد أبي مخترقا كل أثقال مرض، وسبابته تتحرك بصعوبة بالغة:
- لا.. لا.. اتركني أموت معها..! أكمل وهو يشير الى الجريدة، التي كانت موضوعة في مكانها الدائم،على الطاولة بجانب سريره..!!
كانت أمي تثير غضبه، الى درجة أن وجهه كان يحمر وتزبد شفتاه، عندما تقول :
- أنا عارفة.. شو سبب ولعك فيها.. وانت ما بتكتب ولا بتقرا..!!؟
- أنا لا بقرأ ولا بكتب.. بس هاي الجريدة بعرف أقراها..!!
كان يرد عليها زاجرا.. مفهما اياها أن حبل صبره قد قصر، وانه لم يعد يطيق كلاما في هذا الموضوع.
"هجموا عليه - يا بني - أوين الجنب ألي بوجعك..!!"
هكذا كان يستهل بداية قصته مع الجريدة:
كنا نطلق عليه اسم "ولد الجريدة"، كان يأتي بها كل صباح الى الرفاينري ويبيعها للعمال.. لن أنسى صوته المنغم وهو ينادي : "الاتحاد جريده.."!!
كانو ثلاثة، نزلوا من سيارة أوقفوها بالقرب منه، أثنان منهم أمسكوا به وشلوا حركته، أما الآخر فقد بدأ بضربه بعصا غليظة كانت معه، ولم يتركوه الا بعد أن انتبه العمال، وأسرعوا لانقاذه.. فولوا هاربين، وتركوه جثة تنزف ، لا تعطي من علامات الحياة، سوى النفس المتقطع المكسور.
"وصادروا" جرائد الاتحاد التي كانت معه، فلم تبق الا واحدة، يبدوا أنه سقطت منهم.. وجدتها ملقاة بالقرب من مكان حدوث الحادثة، فرفعتها بيدي وأخفيتها في "عبي" كي لا تقع عليها أعين العمال، فيأخذونها مني.. خصوصا أنهم "سيعيشون" يومهم هذا بدون الجريدة التي أدمنوا تصفحها كل صباح، وقراءتها، والتزود بأخبار البلاد التي كانت تغلي، ولا يمكن لأحد التنبؤ بما ستؤول اليه تتابع الأحداث المتسارعة.
كانت هذه المرة الأولى- يا بني - التي تقع الاتحاد في يدي..
فلقد منعني عنها، ندرة القروش التي كنت أتقاضاها، كأجر لقاء عملي البسيط في المصنع، واستعصاء حروفها عن فهمي لها.
ولكن كانت تسحرني فنون المغامرات، التي كان العمال يقومون بها، من أجل استراق لحظات خاطفة الى صفحات الجريدة، في زاوية تختفي عن أنظار مراقبي العمل، أو في حمام العمال، فيعود من "فاز" بهذا المغنم، ليبثه للعمال الذين حوله، فيصبح الخبر كالحجر الذي رمي في وسط بركة ماء، فتتحرك دوائره حتى تصل الى آخر أطراف البركة.. فلا تمر الا لحظات خاطفة، الا ويكون الخبر أصبح ملكا لكل العمال.
وبقيت الجريدة في "عبي"،الى أن وصلت الى "الخشة" التي كانت تؤويني في بلد الشيخ.. وبدأت أقلب صفحاتها.. فلم أجد لي لغة معها الا الصور التي كانت تظهر عليها.. وبدأت أربط بين الصور والأحداث التي كنت ألمها من العمال، وأبحث عن الكلمات التي تتكرر مع هذه الأحداث، ومن ثم "أفرطها" الى حروف، مستعينا "بكنز" الحروف التي تعلمتها في كتاب القرية، الذي قضيت فيه أشهرا معدودة. وشيئا فشيئا، بدأت أفكك لغة الجريدة، مدماكا مدماكا، وحجرا حجرا، حتى وصلت الى وضع أستطيع به فهم فحوى ما تقوله من أحداث وأخبار".
قرأت له الفاتحة، وجلست على حجر بجانب قبره، وفتحت جريدة الاتحاد، وبدأت بقراءتها، كما كنت أفعل عندما أضعفت الشيخوخة نور عينيه.. كان يصر أن أقرأها له من "الجولاد حتى الجولاد!" كما كان يقول دائما، ويطلب أن "أقرأ" له الصور: ألوانها، حجمها، مكانها في الجريدة.. حتى الاعلانات، كان يطلب مني قراءتها له، متجاهلا استغرابي ودهشتي.
كنت أقرأ له وكأنه أمامي يتنفس حروفها وكلماتها، وعندما وصلت الى عزم السلطات ترحيل سكان احدى القرى، قفزت الى ذاكرتي روايته حول المجزرة التي قامت بها العصابات الصهيونية بالعمال الذين أتوا من قرى حيفا، واتخذوا من طرقات وساحات بلد الشيخ "بيوتا" لهم، يعملون في المدينة، ويعودون ليبيتوا فيها في العراء، أو يبنون لهم اخشاشا، يحاولون بها حماية أنفسم،من ضربات تقلبات الجو، وعذابات الزمان.
"في ذلك اليوم حضر بائع الجريدة كعادته الى بلد الشيخ، بعد أن أنهى ورديته الصباحية في المصانع والورش والحوانيت".
كان صوت أبي،عندما يبدأ روايته لأحداث المجزرة، يتغير الى ما يشبه النحيب المذبوح.. وتجتاح صفحات وجهه المحروثة سيول محروقة، فارت من غليان محموم، وتنسحب عيناه الى مجاهل حالكة الظلمة، لتنتزع منها صورا تزعق وتنضح بتشظٍّ لا يتوقف عن النزيف.
"أخذت منه الجريدة كعادتي، وأسرعت الى "بيتي" لأتزود منها زادي اليومي، واذا بخبر خطير "ينط" أمام عيني- (هنالك أخبار مؤكدة أن أحدى العصابات الصهيونية ستهاجم بلد الشيخ).
وكلنا – يا أبني – كنا نعرف ما تصنعه هذه العصابات في البلاد التي تهاجمها..!
خرجت من الدار الى الشارع حاملا الجريدة.. واخذت أصرخ بأعلى صوت يمكن ان يتفجر من داخلي : "يا ناس.. يا عالم.. يا أهل البلد.. اليهود جايين عالبلد..!".
طفت في الشوارع والحارات، حاملا الجريدة الى أعلى..فلم أصطدم الا بصمت أخرس..وبنظرات تحمل الشفقة.. أو اللامبالاة.
ولما أصابني الوهن واليأس.. واستنتجت أني أحرث بالماء.. وأنفخ على صخر أصم.. ركبت رجلي ولم أتوقف الا في بلدي عرعرة التي كنت قد غبت عنها أشهرا.
بعد أيام "هرّبت" الاتحاد الى البلد، وقرأت فيها تفاصيل المجزرة الرهيبة، التي أرتكبها الصهاينة في بلد الشيخ.. قتل وهدم وترحيل..!".
حكى أبي لي ولغيري قصته مع بلد الشيخ مرات لا تحصى، وفي كل مرة كان يبكي بكاء مرا..!
وكانت هذه المرة الأولى التي أسمعها منه من داخل قبره.. مات ولم تمت الحكاية..!
قرأت لروحه الفاتحة مرة أخرى.. لملمت جريدتي، ونزلت من المقبرة.
ولم أكمل قراءة له ما تبقى من صفحاتها..!
إنه ينتظرها..!
(عرعرة)
