دخلتُ عليكم من باب "صباح الخير"، صحيفة "الإتِّحاد"، قبل عامين، بإذنِكم وبموافقتِكم، لأُطلَّ على أهل المطالعة الأخيار من هذا المدخل المشرَعة أبوابه لكي اتواصل معكم، صباح كلِّ يوم خميس من كلِّ اسبوع، وأُعِمَكمْ صباحًا ونهارًا ومساءً، وأحدِّثكم عن أحداث جرت وأشارِككم بما يموج بأحاسيسي من فرح وترح وأسىً وغبطة ومواساة، أو لأُعلن لكم عن موقفي من هذا الحدث أو ذاك وأوضِّح وجهة نظري منه، فأقبل دعوتَكم لزيارتِكم وأجالسكم لنرتشفَ سويَّةً قهوة الصَّباح، التي أُحبُّها أن تكون عُصملِّيَّة، من على شرفتكم، وفي بيتكم الدَّافئ العزيز والكريم.
لقد أحببتُ هذا اليوم، وأدمنتُه كما تُدمنُ النَّحلة وتواظبُ على امتصاص رحيق الأزهار وبراعم الأشجار ونوَّاره، فتُدرُّ لنا العسل بحلاوته وطيبة شَهْده وفوائده الجمَّة ومناعته الخالصة لأجسادنا، ولتنقلَ، كذلك، غبار اللقاح من زهرة إلى أخرى ومن غصن إلى آخر، فمن خلاله كنتُ على اتِّصال مع قرَّاء الصَّحيفة الغرَّاء، الذين كانوا، بالمقابل، يتواصلون معي مباشرةً عبر الهواتف الأرضيَّة والجوَّالة أو الشَّبكات العنكبوتيَّة الالكترونيَّة، فأنتشي بمحادثتهم وإطرائهم وتحتلُّني، عندها، سكرةُ العشق والبوح والاستمرار حيث نجمعُ ونجمِّعُ أطراف الحديث ونوصله بذكرياتهم التي عَبرت، وبكلام يشحنُني بالعزم والقوَّة على المثابرة على الكتابة والتَّصميم على الموقف، لأنَّ هذا يمدُّني بمداد سيَّالٍ أحمر قانٍ يخرجُ إلى هواء بيتي النديِّ، ويُنعِشُ فؤادي الدَّفين في صدري، فيتدفَّقُ أثيري عبر شرايين ذراعي اليُمنى الى الثُّلاثيِّ المتَّحد من أناملي في كفِّ يدي حول يراعي، حيث يجمعهم في قبضتي في وحدة واحدة كقول الشَّاعر:
أَصابِعُ اليَدِ في العَدِّ خَمْسَةٌ وفي قَبْضَةِ السَّيْفِ وَاحِدٌ
فمنذ أن بدأ إبهامي وسبَّابتي ووُسطاي تداعب ريشتي، وتتراقصُ بينها ذات اليمين وذات اليسار وترتاح من عناء الكتابة، بعد نهاية كلِّ جملةٍ في فاصلةٍ أو نقطة تختارها كلماتي، بعد أن تنقل طلاسم عقلي وتترجمها على الورق الأبيض، وتحول الشَّارات إلى كلمات مقروءة، حيث تُصاغُ في جُمل يعجز الصَّاغة عن سكبها وصُنعها، فتدخل مهجة القارئ وتجد فيها مخبأً ومكانًا دافئًا وعَطِرًا وآمنًا، تُغذِّي روحه وتُفرِج من كربها وتفرِّج عن كربها، وكذلك اجدُ فيها راحة لنفسي حيث تبعدُ عنها شظف العيش والإحباط..
فكَّرتُ أن اتركَكم من هذا الباب، دون وداعٍ، ودون داعٍ للقلق، لأعودَ وأُطلَّ عليكم ثانيةً، من نفس الباب أو من مدخل آخر بعد فترة لا أعرف مدَّتها، وهذا ما ردعني عن فكرتي، لأنِّي أردتُها لإرواء نفسي العطشى، التي طلبَت منِّي أن أتفرَّغ فيها للمطالعة الملتزِمة واللازِمة، فهي رياضتي الرُّوحيَّة وروحي وريْحاني وعِطري وفكري ومَنفذِي إلى خارجي الواسع والرَّحيب، حيث أتوجَّه عبرها إلى رُبى بلاد الجمال في الإبداع والإنتاج وإلى رياض الآداب..
لكنِّي توصَّلت إلى قناعة وهي أن أمنح عيني وأصابعَ راحتِي وراحتِي فرصةَ محاولة التَّوفيق بين الأمور، العمل والقراءة والكتابة والسَّكينة، علَّني أنجح في هذه المَهمَّة الصَّعبة، التي لم تكن حتَّى الآن صعبةً، وأتمنَّى أن أوَفَّق في ذلك..
وأتمنَّى لهذه الصَّحيفة الجامعة، التي كتبَت تاريخ شعبنا، بجميع فئاته الجماهيريَّة، ونضالاته وبطولاته وانتصاراته، الصُّعود والارتقاء إلى أن "تُحاكي السَّماءَ بعالي السَّنا..
