بعد مئة عام

single

لا يمكن الحديث عن اتفاقية "سايكس – بيكو" دون الوقوف عند "وعد بلفور". ولا يمكن الحديث عن هذا الوعد المشؤوم بمعزلٍ عن تلك الاتفاقية، بالنظر إلى ما بينهما من ترابط وثيق، فالأمران شكّلا مفصلين من مفاصل السياسة الاستعمارية، البريطانية والفرنسية خاصة، تجاه المنطقة العربية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، التي ثار العرب على استعبادها لهم، وسعوا لنيل استقلالهم عنها، ونيل حقهم في تشكيل كياناتهم القومية.
في بداية نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 1917، أرسل آرثر بلفور خطابه إلى الاتحاد الصهيوني العالمي، الذي عبّر فيه "عن التعاطف مع الأماني اليهودية والصهيونية" وعن أن "حكومة صاحب الجلالة تنظر بالعطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. وسوف تبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذا الهدف".
وكانت تلك نقطة الانطلاق التي انتهت، بعد نحو ثلاثة عقود إلى اندلاع حرب فلسطين، وهزيمة الجيوش العربية، وقيام دولة "إسرائيل"، التي تجاوزت حتى ما رسمته لها المنظمة الدولية من حدود بموجب قرار التقسيم، وتمادت في احتلال بقية الأراضي الفلسطينية وسيناء وأراض مصرية أخرى، وضمّت الجولان السورية إليها، كما أنها أخضعت الشريط الحدودي جنوب لبنان لاحتلالها فترة ليست قليلة، ولم تنسحب إلا تحت ضغط نضال الشعب اللبناني.
تقاسم النفوذ بين بريطانيا وفرنسا، كما رسمته "سايكس بيكو"، أدى، في المشرق العربي، إلى قيام كيانات: العراق، لبنان، شرق الأردن، سوريا، وفلسطين، والتي تحوَّلت، باستثناء فلسطين، إلى دول مستقلة، بفضل نضال شعوبها من أجل الاستقلال الوطني، فيما كان وعد بلفور قد رسم لفلسطين وشعبها المسار الذي نعرف، فتولت بريطانيا تمكين الحركة الصهيونية منها، وهو التمكين الذي تباهت رئيسة حكومتها مؤخراً به.
منذ ولادتها، فإن "إسرائيل" كانت محل دعم ومؤازرة من بريطانيا وغيرها . وحين تسيّدت الولايات المتحدة الأمريكية الموقف، بعد انكفاء الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية، تحولت هي إلى الراعي الأساسي لـ "إسرائيل"، موظفة إياها كرأس حربة ضد نضال حركة التحرر الوطني العربي عامة، خاصة في فترة صعودها بين الخمسينات والستينات، ومانحة لها الغطاء في مواصلة قمع التطلعات الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، والحيلولة دونه ودون بلوغ حقه في إقامة دولته المستقلة على أرضه، وفق القواعد الدولية، وكما تنص على ذلك قرارات هيئة الأمم المتحدة.
اليوم، وقد مرت مئة عام على "الوعد" المشؤوم، وأكثر من ذلك على "سايكس- بيكو"، فإن المنطقة العربية ما زالت ضحية التدخلات الغربية وضغوطها، بل إن العمل يجري على التراجع حتى عن صيغة سايكس بيكو ذاتها، التي رغم علاتها، فإن شعوب الكيانات التي وجدت نفسها ضمنها حوّلتها إلى دول مستقلة وإلى هويات وطنية جامعة لمكوناتها من العرب وغيرهم من الأقليات.
قد يهمّكم أيضا..
featured

ماركس ... في مركز الحدث العالمي المعاصر

featured

مهمَّة المجتمع الاسرائيلي الملحَّة انهاء الاحتلال

featured

الأردن للأردنيين وفلسطين للفلسطينيين

featured

قرانهم وعقوقنا

featured

كلمة وفاء في وداع فارس من فرسان يوم الأرض

featured

إذ يوسع نتنياهو عزلة إسرائيل