أتردد من وقت لآخر إلى مجمّع تجاري كبير في مدينة مجاورة لمكان سكناي وهناك أشاهد رجلا جالسًا على كرسي عند باب المتجر أمامه رزمة من صحيفة (إسرائيل اليوم) المجانية. يبدو ان ترددي إلى ذاك المكان جعلنا مألوفين واحدنا إلى الآخر فكنّا نتبادل التحيات ونتمنى خيرًا لبعضنا البعض خاصة أثناء مغادرتي المكان.
قبل شهر وأكثر وتحديدًا بُعيد خطاب رئيس الحكومة السيد نتنياهو في الأمم المتحدة متباهيًا بأنه القادر وحده على قهر بل صرع عدو الحرية والإنسانية: التنين النووي الإيراني، ناولني موزّع الجريدة عددًا وهو يبتسم مشيرًا إلى العناوين الرئيسة في الصفحة الأولى الملأى بصور الغطرسة والاستعلاء لقاتل التنين السيد رئيس حكومة بلاد السمن والعسل ومشتقاتهما. كان لسان حاله يقول: كم نحن الإسرائيليين سعداء ان يعتلي صهوة قيادتنا فارس مغوار مثل فارسنا بيبي الحبيب.. اكتشفتُ عندها ان الرجل يرى فيَّ مواطنًا مثله احترف الاستعلاء واستعذب هيمنة شعب على شعب آخر!!
عندها لم أخفِ هويتي فأعلنتها أمام عينيه وعلى مسامعه انني لا أرى في حبيبه فارسًا حبيبًا مغوارًا! فكيف أقع في حبّه وهو الذي يرى في غير اليهود أغيارا ملاعين قدرهم العيش مهجَّرين بائسين محرومين؟! واستطردتُ سائلا: ألا تعلم انني من قرية مهجرة اسمها اقرث أملأ عربة الابتياع هذه من غلال أرضها فاكهة وخضارًا يزرعها ويرعاها مستوطنون جاءوا من بلاد بعيدة لاحتلال ترابها وسلب خيراتها؟!
إن هذه لعمري صورة قاتمة من داخل (الخط الأخضر).. صورة تذكِّرني بصورة أقتم وأبشع من خارج (الخط الأخضر).. صورة استوطنت ذاكرتي منذ سنين: كنتُ مع احد الأصدقاء في مدينة جنين حيث نادانا متوسلا ماسح أحذية يقترب من الكهولة لتلميع أحذيتنا.. أثناء عملية المسح والتلميع قال الماسح الكهل شيئًا فأجبته بكلمة (نعم)، ولدهشتي رفع إليّ عينيه المغرورقتين بالدموع قائلا: "الله ينعم عليك يا عمي.. أنت (أي أنا) أول واحد يقول لي كلمة نعم منذ عام 1948".
حكايتان مختلفتان عن موزّع الجريدة اليهودي الإسرائيلي وماسح الأحذية الفلسطيني.. حكايتان تسردان فصول مرارات موجعة.. مرارات تمرمر حياتي وتدفعني إلى القول متسائلا: كم نُذل نحن العرب بعضنا بعضًا، وكم يرفع اليهود من شأن بعضهم البعض؟! إلى متى؟