الأردن للأردنيين وفلسطين للفلسطينيين

single

لم يرعبنا اقتراح النائب " أريه الداد " عضو الكنيست الإسرائيلي حول الدولة الفلسطينية في الأردن، ولن يرعبنا، حتى ولو حصل على موافقة 53 صوتاً كي يتم إدراجه ومناقشته في لجنة الأمن والخارجية، ولم يهز شعرة في بدن أردني واحد، خوفاً ورعباً وقلقاً منها، لأننا لسنا دولة في مهب الريح، ولسنا شعباً بلا هوية، ولا نعيش في بلد ممزق الوعي والانتماء والقرار، ولا نعاني من اضطهاد قيادة، أو أن لدينا نظاماً معزولاً عن شعبه، ولا نواجه قرارات تعسفية نستقوي بالأجنبي لعرقلتها، ولا نأكل ونشرب ولا نعيش على الآخرين وعلى أرضهم ونسرق ممتلكاتهم ولا نصادر أو نغتصب حقوق الفلسطينيين حتى نخافهم، بل نثق بأنفسنا كأردنيين وبنظامنا السياسي أولاً، ونثق بالفلسطينيين وقياداتهم وفصائلهم ثانياً.
     لذلك، لا نهاب اقتراحات أريه الداد وتصريحات من معه ولا نخشى تصويتهم، حتى وإن أزعجتنا ومست بسيادتنا وأثارت الغيظ في نفوسنا، ليس فقط لأنها متطرفة وغير عقلانية وغير قابلة للصرف أو التنفيذ، بل لأنها حظيت بموافقة 53 نائباً لتكون قابلة للنقاش، حيث تم الاقتراح بموافقة نواب ووزراء يفترض فيهم التحلي والتعامل بمسؤولية واحترام الاتفاقات الرسمية الموقعة بين إسرائيل والأردن، وخاصة معاهدة السلام المصادق عليها من جانب الكنيست والبرلمان الأردني.
     اقتراح أريه الداد زوبعة سياسية صغيرة، تعكس مدى الغيظ الإسرائيلي إزاء السياسة الأردنية الداعمة والمساندة للشعب الفلسطيني ولمنظمة التحرير وسلطتها الوطنية وخياراتها الكفاحية، وتدلل على مدى الغيظ الإسرائيلي من حجم الاهتمام الدولي بحق الفلسطينيين في وقف الاستيطان، وجلاء الاحتلال ونيل الحرية والاستقلال، وبناء دولتهم المنشودة على أرضهم وعاصمتها القدس الشرقية.
     نعتقد جازمين أن السياسة الواقعية الحكيمة التي ينهجها الملك عبد الله بن الحسين على طريق والده الراحل الملك حسين، أكسبت الأردن المصداقية والاحترام والحضور، وهي سياسة تقوم على أربعة مبادئ هي:
     أولاً حماية المصالح الوطنية العليا للدولة الأردنية.
     ثانياً دعم وإسناد حقوق الشعب الفلسطيني ونضاله من أجل جلاء الاحتلال الكامل عن أرض وطنه فلسطين وقيام دولته المستقلة المنشودة وعاصمتها القدس الشرقية وحل مشكلة اللاجئين وفق أحكام القرار الدولي 194.
     ثالثاً التوافق مع المصالح القومية للعرب والتنسيق معهم بما يخدم الأمن القومي العربي على أساس قرارات القمم العربية وفي طليعتها مبادرة السلام العربية القائمة على ثلاثة مبادئ هي انسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من حزيران 1967وإقامة دولة فلسطينية، وحل مشكلة اللاجئين على أساس القرار 194.
     رابعاً الالتزام بقرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية وقيمها وأبعادها، ذات الخصوص، بدءاً من قرار التقسيم 181 وقرار عودة اللاجئين 194 وقرار الانسحاب 242 وقرار الدولتين 1397 وليس أخيراً قرار خارطة الطريق 1515.
     سياسة الأردن، وخطوات الملك عبد الله، ومصداقيته في تقديم الرواية الأردنية الفلسطينية العربية الإسلامية أمام المجتمع الدولي في دعم وإسناد حقوق الشعب الفلسطيني، وخاصة خطابه التاريخي أمام الكونغرس الأميركي يوم الأربعاء 7 آذار 2007، وخطابه أمام البرلمان الأوروبي الموحد في ستراسبورغ يوم 12 كانون أول 2007، وزيارته لواشنطن ولقائه مع الرئيس باراك أوباما يوم 18/4/2009 وسلسلة خطاباته وتصريحاته أمام مؤسسات المجتمع الأميركي، وتضمين خطابه فقرة عن نكبة الشعب الفلسطيني يوم 15/5/2009 أمام مؤتمر دافوس الاقتصادي الدولي في البحر الميت، أغاظت هذه المواقف اليمين الإسرائيلي، ودفعته لمحاولة حرف النقاش الإسرائيلي عن النكبة واحتلال الضفة والقدس والقطاع، كما يفعل اليوم المجتمع الدولي، وبدلاً من أن يكون النقاش الإسرائيلي حول كيفية التعاطي مع الاستحقاقات المطلوبة منهم نحو الشعب الذي سلبوه أرضه وممتلكاته وحرموه حقه في تقرير مصيره على أرض وطنه فلسطين، يحاولون حرف النقاش، بنقل المشكلة إلى الأردن وكأن الأردن أرضاً بلا شعب، حتى يمنحوه لشعب بلا وطن.
     إسرائيل، رغم قوتها وتفوقها العسكري والإقتصادي والتكنولوجي، بدت مهزومة أخلاقياً أو كادت، وأخذ موقعها السياسي والأخلاقي يتراجع في معسكر أصدقائها وحلفائها التقليديين في أوروبا وأميركا، ولذلك يسعى الإسرائيليون للهروب إلى الأمام في محاولة للتهرب مما هو مطلوب منهم، وما سلسلة مشاريع قوانينهم العنصرية سوى التعبير عن هذا المأزق الذي يواجه بالهروب، وكذلك لم يعد مستبعداً شن سلسلة حروب إسرائيلية نحو غزة أو لبنان أو نحو إيران، من أجل خربطة الأوراق والأولويات في المنطقة وإرباك إدارة الرئيس الأميركي أوباما الضاغط من أجل وقف الاستيطان ولجم العربدة الإسرائيلية.
      إسرائيل محشورة، يضيق بها الفضاء، فتحاول الهروب إلى الأمام، تتصرف بعنجهية وتسلط، ولكنها مهما حاولت التأجيل ستبقى مطالبة بدفع ثمن جرائمها وخطاياها، حتى ولو تأخر الموعد، أو ساعدتها عوامل ثانوية مثل الانقسام الفلسطيني أو مغامرات متطرفين أو صواريخ صوتية، وكل ما يمنحها المبرر للتهرب من الاستحقاق وهو في نهاية المطاف الإذعان لحقوق الشعب الفلسطيني.
     يقول شاي فيلدمان رئيس مركز يافا للدارسات الإستراتيجية، في مقال له بعنوان " نحو حسم وطني " " تواجه إسرائيل انعدام القدرة على ترجمة قوتها الإستراتيجية الشاملة إلى إمكانية فرض إرادتها على الشعب العربي الفلسطيني والوصول بذلك إلى نهاية النزاع. ولذلك ليس أمامها مفر إلا فك الارتباط عن الفلسطينيين الذين يسكنون في يهودا والسامرة وشرقي القدس وقطاع غزة".
     استخلاصات فيلدمان وصل إليها من قبله اسحق رابين فسعى نحو اتفاق أوسلو ثم قتله اليمين الإسرائيلي، ووصل إليها شارون فسعى إلى فك الارتباط من جانب واحد، فتخلص من قطاع غزة ولكنه رحل قبل أن يواصل تنفيذ برنامجه في الضفة الفلسطينية المحتلة.
     لذلك لا أريه الداد ولا ليبرمان ولا نتيناهو قادرين على وقف عجلة الحياة، أو منع الفلسطينيين من استرداد حقوقهم، المسألة مسألة وقت وإنضاج الظروف والعوامل المواتية التي تحيط بالإسرائيليين وتطبق خناقها عليهم حتى يرحلوا، كما رحل كل الغزاة من قبلهم.

 


h.faraneh@yahoo.com

قد يهمّكم أيضا..
featured

سقطت العروبة فربحت «داعش» واسرائيل العراق

featured

لن ننساك أبدا أيها الأستاذ والصديق والرفيق

featured

يفاخرون بجريمة قتل السلام

featured

تونس ومصر تتصديان للارهاب

featured

عظماء في تواضعهم

featured

جرائم ضد صيادي غزّة

featured

عضّة لويس سواريس

featured

ارهاب عنصري