لن ننساك أبدا أيها الأستاذ والصديق والرفيق

single

وصلني نبأ وفاة الأستاذ والمربِّي والصديق أكرم برانسي بعد يوم من وفاته وهذا النبأ فاجأني لأنني كنت أعرف انه كان يتمتع بصحة جيدة، حيث كنت التقي مع أحد أبنائه وأسأله عن صحة أستاذي وصديقي أكرم برانسي (أبو سليم)، هذا الإنسان الذي تعرفت عليه في أوائل الخمسينات من القرن الماضي عندما كان أستاذا لي في مدرسة عرابة البطوف الابتدائية، ومنذ ذلك الوقت عرفت فيه الأستاذ والإنسان المخلص لمهنته ومواقفه المبدئية وهو الأمر الذي برز من خلال إخلاصه لطلابه وكذلك من خلال علاقاته الإنسانية مع طالبه ومع الناس بشكل عام.
الأستاذ أكرم برانسي شخصية إنسانية ووطنية مميزة ويتمتع بذاكرة حادة من خلال تذكره لأسماء طلابه فردا فردا، وكنا عندما نلتقي يسألني عن أبناء صفي واحدا واحدا ويتذكرهم باسمائهم الكاملة. وفي احدى المرات عندما التقينا – وكنا نلتقي كثيرا- قال لي: "ولك يا توفيق هناك أحد أبناء صفك كنت أعرفه انه ليس غبيا لهذا الحد ولكن عندما التقيت به قبل مدة أظهر لي غباءً شديدا" فقلت له لماذا؟ قال: تصور أنني عرفته حالا عندما رأيته وهو لم يعرفني مع أنني انا لم أتغير كثيرا بل هو كان شابا صغيرا وهو عمليا تغير كثيرا. هذه الحادثة تظهر قوة الملاحظة التي كان يتمتع بها وقوة الذاكرة أيضا.
في أواخر الستينات من القرن الماضي تعمقت علاقاتي الشخصية مع أستاذي أكرم برانسي حيث في تلك الفترة كنت قد بدأت العمل متفرغا في الحزب بين الشباب وفي فروع الشبيبة الشيوعية في منطقة الناصرة. ومن الفروع التي كنت أزورها كان فرع الشبيبة الشيوعية في الرينة. وكان أحد أبنائه عضوا في صفوف الشبيبة الشيوعية. وفي تلك المرحلة لم تكن توجد مواصلات وكنا نبيت في نفس القرى التي نتواجد بها. وفي إحدى المرات عندا كنت في اجتماع لفرع الشبيبة الشيوعية في الرينة وبعد الاجتماع قال لي أحد أبنائه: يا رفيق توفيق أنت الليلة ضيفنا وهذه توصية والدي وأنت أحد تلاميذه ويجب ان تقبل الدعوة. وفعلا قبلتها بكل فخر واعتزاز لأنني كنت سألتقي بأستاذي الذي لم أره منذ مدة طويلة، وفعلا كانت إحدى الليالي الأنيسة والممتعة جدا حيث استعدنا ذكريات قديمة وبشكل خاص عندما جرى الإضراب العام في مدرسة عرابة سنة 1954 ضد ضريبة الرأس المجحفة التي كانت مفروضة على جماهيرنا العربية، حيث كان الاستاذ أكرم من الداعمين للطلاب في اضرابهم. وقد كنت في تلك الفترة عضوا في الشبيبة الشيوعية وكان عدد من أعضاء الشبيبة وأصدقائهم قد عملوا بشكل مثابر من أجل إنجاح الإضراب وكان هذا بقيادة فرع الحزب والشبيبة الشيوعية في القرية بالإضافة الى ذكريات أخرى.
منذ ذلك الوقت تعمقت هذه العلاقة الشخصية مع أبي سليم الذي أعتبره رفيقا وصديقا وقبل كل شيء أستاذي الذي كنت أعتز به وهو الإنسان المثقف بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى.
إن الأستاذ أكرم كان أيضا سياسيا جديا حيث قاد على مدى سنوات طويلة جبهة الرينة الديمقراطية بحنكة ومسؤولية جدية وكبيرة في مرحلة حساسة جدا، خاصة ونحن نعرف جيدا الحساسيات العائلية والذاتية التي تسود قرانا وخصوصا في مرحلة انتخابات السلطات المحلية.
كنا نلتقي دائما في مظاهرة أول أيار من كل عام وكذلك في النشاطات السياسية القطرية والمنطقية التي كان يبادر لإقامتها الحزب الشيوعي والجبهة وفيها أيضا كنا نستعيد بعض الذكريات الطيبة. ومن الجدير بالذكر أيضا انه من قراء "الاتحاد" وهو في عرابة حيث ان الرفيق إبراهيم شكري الشمشوم كان يوصل له الاتحاد سرا في تلك المرحلة.
رحيل الأستاذ أكرم برانسي هو خسارة كبيرة لعائلته وأبنائه وبناته ولكن في الوقت نفسه فهو خسارة للحزب والجبهة ولكل من عرفه. ولكن عزاءنا اننا نعرف ان أبناءه سوف يكملون المشوار والطريق المشرف الذي سار عليه ونحن طلابك ومعارفك لن ننساك أبدا يا أبا سليم.



(عرابة البطوف)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لتعزيز العلاقة الفلسطينية – السورية

featured

كم تغيرت فلسطين

featured

سرقوا السلام والأمن ويريدون النوم هانئين..!

featured

صوّتُّ وأصوِّت وسأصوِّت

featured

مهمتنا الحضارية

featured

مع الشعوب وضد الاستعمار بدون تأتأة

featured

نرفض مشاريع الخدمة، نبادر للتطوع

featured

إلى متى الاستهتار بقيمة الإنسان؟