طفح الكيل وسيغرقنا جميعًا، أربع جثث شباب اخترقها الرصاص في شوارع ام الفحم وعبلين جرحى وثكلى ورشاشات تدوي مختفية في ظلام صامت، وفي كفر مندا حرب شوارع وقنابل وألعاب نارية كانت ستزين سماء البلد في موسم الأعراس او في احتفالات رمضان القادم وتفجرت قبل أوانها على شرف عرش رئاسة المجلس.
ذاقت كأس الموت المريرة كل مدينة وكل قرية عربية، وها نحن نقف عاجزين وتائهين. أما آن أوان المحاسبة الذاتية لمجتمع مزقته القبلية والطائفية واليد القوية ومضى ناسيا للقضية؟
قانون الغاب يحكم بلداتنا وأحياءنا العربية، والكل يعلن سخطه وثورته التي تدوم ثواني معدودة بعد إطلاق صرخة فيسبوكية مدوية إلى فضاء العالم الافتراضي. فيما يبني شباب أسر الضحايا عرائش العزاء ويحضرون القهوة السادة لوفود المعزين، طبعا سيفعلون فغالبا سيحضرها كبار القوم، ستتوافد رجالات القيادة مطأطئة الوجوه، جماعات جماعات إلى خيمات العزاء، وكما عهدناهم سيخطب هؤلاء في جموع المعزين من أبناء شعبنا الأغر ليشتموا شرطة إسرائيل وتقصيرها، وسيتحدثون عن المؤامرة ضد شعبنا لتفكيكه وشرذمته حتى لا تقوم لنا قائمة، وسيطلقون العنان للوعود بملاحقة الموضوع حتى النهاية مع جميع المرافق الحكومية.
في المساء سيرجع كل منا رجالا ونساء غاضبين ودامعي الأعين كل إلى بيته مهزوما مهموما، سوف تصرخ الأم في وجه ابنها المراهق وتحاول منعه من الخروج للشارع المظلم، سوف تلعن الساعة التي حرق فيها الشباب حاوية الزبالة ورجموا عمود الكهرباء، ومعًا سنسب بأقوى الشتائم رئيس المجلس الذي لا يعيد للشارع الحاويات وللأعمدة الإضاءة، سوف نقسم بالله انه لا يهتم لحارتنا لأننا لم نصوت له، لأنه عنصري وعائلي ونحن لسنا كذلك.
في هذه الأثناء سيخرج الشاب المقدام خفية ليمشط شوارع البلد باحثا عن حدث مثير للاهتمام، فقد يكون محظوظا ويشارك في مغامرة شوارعية اليوم، أما المراهق الذي لا يزال يلجم غرائزه ويضبط نفسه فسيكتفي بتصوير الواقع ومشاركته للعالم وحصد باقة معجبين في بحر اللون الأزرق الافتراضي.
فيما تغرق الفتيات والفتيان خلف جدران البيوت المتألقة ليلا بغارات من المنشورات الفيسبوكية المسيئة فيشاهدون من جهات مختلفة محليا وعالميا اعنف المشاهد وبعضهم يتعرض للشتم والتهديد والوعيد والابتزاز بأنواعه.
بعد كل جريمة سيأتي حتما يوم جمعة مباركة، فدائما يأتي يوم جمعة فأكاد اجزم ان منابر المساجد ستهتز من وقع نصائح الأئمة ومع تمام الخطب والصلاة ظهرا وسيخرج المصلون يستعينون بالله على أحوال مجتمعنا فلن يعينهم إلا خالقهم حسب ما فهموا من الخطيب. فلا بد من الرجوع للدين والخالق فهذا هو الحل الوحيد "فمن يتق الله يجعل له مخرجا". سيتساءل المصلون العائدون لمنازلهم في قلوبهم، ألسنا أتقياء مصلين نخاف الله ونعبده؟ فلماذا إذا تحل المحن والمصائب علينا؟، وقبل أن يدركوا عتاب بيوتهم التي تبث روائح ما لذ وطاب من طعام، لا بد لهم من قول استغفر الله العظيم وأعوذ بالله من هذه الأفكار، قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا. فلا بد ان العنف هو ما كتبته لنا إذا.
بعيدا عن الدين، أهل الدنيا من خبراء علم الاجتماع فسوف يرجعون بِنَا للتحليلات التي تخص الأقلية القومية الفلسطينية في دولة إسرائيل، العنصرية وسياسات تقصير الشرطة بعملها، الظروف المعيشية للمجتمع العربي، الفقر، الازدحام السكاني ونسبة البطالة العالية كلها أسباب تودي بالشباب إلى عالم الإجرام والعنف، وتفكك الروابط القومية المجتمعية، في ظل سيرورة التحضر السريع للمجتمع الفلسطيني.
ومنهم من سوف يصل بتحليلاته للنكبة والنكسة، الانتفاضات الفلسطينية وهبة أكتوبر وفشل الربيع العربي وتفشي الداعشية ونخر العنصرية من قبل المؤسسة الإسرائيلية في عظم المجتمع العربي.
وما أقول لكم؟، كلنا نعرف ان القضايا هذه جميعا متصلة ببعضها ولا يمكن الإشارة بالإصبع لسبب واحد أوصلنا لوضعنا الحالي من تفشي الجريمة حولنا وسهولة قتلنا لبعضنا، ولكني ومع أني تعبت من التحليل وقراءة الموقف اعرف جيدا مثلكم جميعا انه رغم ان كل ما ورد من مسببات صحيح بمفهوم او آخر، ونعرف جميعا ان علينا ان نحارب العنف فينا أولا، أن نقاتل رغبتنا في السيطرة على الآخرين، تغييرهم أو تعديلهم أو ترويضهم وفقا لرغباتنا ومصالحنا، فهذه هي ثقافة السيطرة التي تودي بِنَا لأحضان الجريمة، فلن يفلح احد بتغيير كل المجتمع حوله وفقا لبرنامج حياته،. وان لم نتعلم.اجل نتعلم. أن نتقبل الآخرين واختياراتهم، أن نعرف مساحة الحرية الشخصية، ونروض أنفسنا أولا قبل إرسال مطالبنا للعالم الخارجي، وان ندرك اننا سواسية رجال ونساء في الحقوق والواجبات. مكانتنا وكياننا كمجتمع مرتبط فينا جميعا، وليس بحجم سيطرتنا على الناس جميعا. هذا واجب كل أب وأم، كل مربٍّ ومعلم كل قائد وصاحب قرار ولا نحتاج للكثير من اجل أن نبدأ.
أنا أوافق الأصوات الداعية لتكاتف الجهود ووضع خطة واستراتيجية شاملة لمناهضة العنف المجتمعي، وأدرك تماما أنها صعبة المنال في ظل حالة الوهن السائدة واليأس من قوانا الداخلية وسيطرة العجز علينا كمجتمع واحد يعتقد انه عاجز على إعادة بناء نفسه.
علينا أن نتشبث بالإيمان بأننا يمكننا التغيير والسير قدمًا، نعم اعلم أننا خسرنا معارك كثيرة في رحلة شعبنا، ولكنا فزنا ببعض، فزنا بالإنسان الذي لا يمل ولا يكل من المحاولة والسعي وراء النجاح والتألق، في تاريخنا الطويل الكثير من الحزن والألم،نعم خسرنا الحجر ولم نخسر نحن بني البشر، لا يا بني شعبي لا تيأسوا، لا تستسلموا، احزنوا، ابكوا ادفنوا موتاكم، واجتثوا السرطان من أحشائكم، فالمجرم منا، والقاتل منا، وتاجر السلاح منا، وتاجر السموم أيضا منا، ولا تنسوا أن المعلم الفاضل منا والعالمة والطبيبة، والخبير والمحاضر والصحفية والقاضي أيضا هم من لحم هذا الجسد، وفيهم وبهم سننتصر، تذكروا ان الجريمة تترعرع في مجتمع ضعيف، وينتشر الوباء في بدنٍ هزيل، ونحن ما زلنا شعبا صامدا، شامخا، لا يقبل الركوع، لنا في هذه الحياة حصة الأسد ولنا الحق أن نعيش في بلد آمن وكريم.
