الشرعية من صناديق الاقتراع

single

شهادة إضافية أعلنها البنك الدولي عن حكومة السلطة الوطنية في رام الله بسبب برنامجها الأصلاحي ونجاحها في بناء مؤسسات مشروع الدولة الفلسطينية المنشودة.
ولكن، وبعيداً عن الادعاء بالشرعية لحكومتي رام الله وغزة ، لنتوقف ونحتكم للوقائع الحسية الدالة بواقعية على مدلول من هو الأقرب للناس ومصالحهم وتطلعاتهم، ومن الذي يعمل على إشراكهم في مؤسسات صنع القرار، ويحتكم لإرادة الناخبين وقراراتهم، ومن الذي يتوسل في أن تكون قراراته ومؤسساته نابعة من إرادة الناخبين اعتماداً على أن الشعب هو صاحب الولاية وهو الذي يمنح الشرعية، وهو الذي يتحكم بمبدأ تداول السلطة، ويتحكم بنتائجها.
في رام الله حكومة وطنية ائتلافية، تشارك فيها القوى السياسية العاملة والمؤتلفة في إطار منظمة التحرير بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، من "فتح" و"الديمقراطية" وحركة فدا وجبهة النضال وبمشاركة من قبل حزب الشعب، وقطاع واسع من المستقلين الديمقراطيين والمهنيين والأكاديميين.
وفي غزة حكومة حزبية ضيقة تقتصر على الحزبيين من حركة حماس، ولا تسعى لإشراك أي من حلفائها كالجهاد الإسلامي أو القيادة العامة أو الذين قاتلوا معها في معركة الانقلاب، أو تسعى نحو إشراك الجبهة الشعبية التي تقع في الوسط حيث لم تحسم قرارها، فلا هي مع حكومة رام الله الائتلافية، ولا مع حكومة حركة حماس الحزبية.
حكومة رام الله تملك رصيداً من الشرعية تقوم على عدة عوامل، فهي مكلفة من الرئيس الفلسطيني وتحظى بثقته وإن لم تحصل على ثقة المجلس التشريعي المعلق الذي انتهت ولايته كما انتهت ولاية الرئيس، واستمدا شرعية استمرارهما ( الرئيس والمجلس التشريعي) من قرار المجلس المركزي الفلسطيني صاحب الولاية الشرعية والدستورية، أما حكومة غزة فقد تم إقالتها من قبل الرئيس وسحب الغطاء الدستوري عنها، وبذلك فهي لا تملك ثقة الرئيس، ولا تملك ثقة المجلس التشريعي، فالثقة التي حصلت عليها حكومة إسماعيل هنية الائتلافية، لم تعد قائمة، لا في مضمونها ولا في شخوصها باستثناء إسماعيل هنية نفسه.
حكومة رام الله يعترف العالم بها، ويدفع لها ثمن اعترافه وثقته واحترامه لها ولبرنامجها ولأدائها، فيدفع لها مئات الملايين من الدولارات تغطي بها احتياجات الناس ، فتدفع الرواتب والمصاريف الجارية للموظفين المدنيين والعسكريين في الضفة والقدس والقطاع وللخدمات التعليمية والصحية والأمنية، وتعمل على تنفيذ برامج تطويرية وفق الموازنة العامة المعلنة، بينما لا يعترف العالم والمجتمع الدولي بحكومة غزة باستثناء إيران وقطر وحركة الإخوان المسلمين ويقدمون لها عشرات الملايين من الدولارات كي تبقى واقفةً على رجليها للحفاظ على نتائج الانقلاب وبقاء الانقسام وغياب الوحدة الوطنية.
هذا بشأن الماضي والواقع وماذا بشأن المستقبل؟
حكومة رام الله لأنها تؤمن بالتعددية وتقوم على الشراكة والائتلاف الوطني وتقر بمبدأ تداول السلطة وتثق بشعبها وتستجيب لحقوقه واستحقاقاته، تعمل على إجراء الانتخابات البلدية يوم 17 تموز من هذا العام، ولأن لديها برنامجاً تلتزم به، يقوم على إجراء الانتخابات والاحتكام لصناديق الاقتراع وهي الوسيلة المتاحة والمطلوبة كي تجعل المواطنين الفلسطينيين شركاء في صياغة واقعهم ومستقبلهم وإدارة شؤونهم وتحسين خدماتهم .
بينما حكومة غزة ترفض إجراء الانتخابات البلدية، إضافة الى سجلها في رفض إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وهي تعتمد في ذلك على عاملين أولهما : لأن "حماس" كجزء من حركة الأخوان المسلمين العالمية العابرة للحدود وامتداد لها، لا تؤمن أساساً بالانتخابات وصناديق الاقتراع كوسيلة للحكم، وهي كحركة أصولية رجعية تعتبر أن الانتخابات مظهراً غربياً مستورداً لا يستند للتراث العربي والأسلامي، وهي تستعمل الانتخابات لمرة واحدة كي تصل الى السلطة، وبعدها تصادر حق الآخرين في العمل، مثلما تصادر حق الشعب في اختيار ممثليه عبر صناديق الأقتراع .
وثانيهما : لانها تثق أن الانتخابات المقبلة ستكون عقوبة لحركة حماس على ما فعلته واقترفته بحق نفسها وشعبها وضد المصلحة الوطنية وبما يتعارض مع الشرعية والنظام الأساسي، وهي تعرف بالملموس أن هذا الشعب الذي عاقب حركة فتح وتضحياتها بسبب أخطائها وامتيازات قياداتها ، سيعاقب حركة حماس لنفس السبب وأكثر، رغم نضال وتضحيات حركة فتح لأربعين سنة وجهاد وتضحيات "حماس" لعشرين سنة.
شعب الضفة والقدس والقطاع، عاقب حركة فتح في الانتخابات البلدية عام 2005 ، وعاقبها في الانتخابات البرلمانية عام 2006، وعليه سيعاقب حركة حماس في الانتخابات البلدية في العام الجاري 2010 ، فإذا شاركت في الانتخابات خير وبركة، وإذا قاطعتها فهذا نتيجة إفلاسها وضعفها، ومن هنا تبرز أهمية الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، مرة أخرى وإثبات أن هذا الشعب هو صاحب الولاية وهو الذي يستحق الاحترام، وهو الذي يمنح ولايته وثقته لمن يشاء وفق صناديق الاقتراع.
حكومة سلام فياض، ومعها الفصائل والقوى والشخصيات السياسية، ستكتسب شرعيتها وستجددها في الانتخابات البلدية المقبلة، وهي مؤشر على صدق نواياها وحسن اختيارها، واحترام إرادة شعب الضفة والقدس والقطاع، باختيار ممثليه المنتخبين ليكونوا قادة المجالس المحلية وشركاء في مؤسسات السلطة الوطنية، وفي قيادة برنامج الصمود والتنمية وتوفير الاحتياجات والمشاريع التنموية الضرورية للمواطنين الفلسطينيين عبر المجالس المحلية والبلدية المنتخبة .
الانتخابات البلدية قرار وإجراء وتوجه سيياسي بامتياز أمام النفس وأمام المجتمع الدولي الذي يقدم الدعم والإسناد بمئات الملايين من الدولارات سنوياً من أجل قرار سياسي واضح وبائن يتمثل بإنهاء الاحتلال ونيل الشعب الفلسطيني حقه في الحياة والكرامة والحرية والاستقلال .

h.faraneh@yahoo.com
 

قد يهمّكم أيضا..
featured

لماذا تنكر السلطة وجود تنسيق أمني مع اسرائيل؟

featured

ذكريات ختيار لم تمت أجياله (40)

featured

ترام القاهرة.. جذور التحرش والاعتصامات وصناعة الرأي العام تبدأ من هنا!

featured

شكرًا لكُم يا شعب مصر

featured

المقاومة الشعبية - وجه مضيء في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي

featured

الحكام العرب ولعبة شد الحبل

featured

حين نبحث عن التفاؤل نجده

featured

أمريكا وعُقدة الثقافة