يشهد العالم العربي من حولنا كمًّا من المخاض والتغيرات ، قطريا وقوميا ، وسيشهد محاولات ثورية وإصلاحية مختلفة للتجديد والتطوير ، وسيحاول تجاوز كل عمليات الإيهام المجتمعي التي صدرت للعالم العربي وللعالم بأسره بعد الإعلان عن العولمة كنظام عالمي جديد وعن تأسيس " النظام العالمي الجديد " بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، التي تشهد أيضا مصاعب وأزمات نتيجة المبالغة في جشع الرأسمالية وخاصة زمن " بوش " الإبن بحيث أطلق عليها الرأسمالية " الخنازيرية " .
هذا التطور المذهل في التقنيات والمعلوماتية ومجتمع المعرفة في ظل هذه الرأسمالية ومفاهيمها ساعد وعمل على تعميق الهوة والفجوة الثقافية والحضارية بين المجتمعات القوية والمجتمعات الضعيفة إقتصاديا وإذا قرأناها بلغة ثانية نستطيع أن نقول بين الأسياد والعبيد ، بين من يمتلكون القدرات العلمية والتكنولوجية والسوسيوإقتصادية ، وقدرتهم على مواجهة مستجدات العصر والتطور والتحول ، وقدرتهم على احتلال مواقع السلطة والنفوذ والتحكم والهيمنة المادية والرمزية ..... ، وبين من لا تتيح لهم أوضاع الإقصاء والتهميش والمحاصرة فرصا متكافئة وعادلة للاستفادة المعقولة من مكتسبات التقدم الحضاري ، ومن امتلاك مؤهلات الجدارة .
هذا الوضع هو أيضا أحد الأسباب الكامنة في محاولة الثورة والتغيير في العالم العربي ، هذا العالم الذي وضع كل " بيضات القبان" في حجر الولايات المتحدة والنظام العالمي الجديد والرأسمالية المتطرفة " الخنازيرية ، وهو الذي أدى إلى أن يكون تقدم في الميزان التجاري والتنموي في مصر ، في حين كان تأخر بارز في حياة الفرد وخاصة الطبقات ذات المصلحة الأساسية في تطور الجماهير العمالية الكادحة والفئات المتعلمة والفقراء ، والتي كانت تطمح بحق أن يكون تعلمها لصالح تقدم المجتمع وكذلك لصالح تقدمها الشخصي .
ولكن النتيجة أن الشركات الرأسمالية التي استغلت الشعب وبتشجيع من السلطة ، ومتخذه النموذج الأمريكي مثلا يحتذى، ولكن أضافوا عليه الصورة الأسوأ من استغلال وغش وخداع وسرقة أموال الدولة من خلال عمليات الخصخصة التي قامت بها الدولة لترمي جانبا آخر ما تبقى من حسنات ثورة 23 يوليو 1952م ، ولكن النتيجة كما عرفناها أن الشعب عاف هذا السلوك البشع في تناول مقدرات الدولة والملكية العامة ، وكانت ثورة 25 كانون الثاني يناير 2011 لتعيد للشعب حقوقه وكرامته كما دلت شعاراتها ، ومن هنا كان للعمال والفئات الشعبية دور هام في نصرتها والوقوف معها بكل ما تملك هذه الفئات من قوة .
هناك حاجة في كل العالم العربي وبالأساس الآن في تونس ومصر اللتين نجحتا إلى حد بعيد بالثورة السلمية الديمقراطية لرسم سياسة تعليمية وثقافية ثورية تلائم العصر وتلائم متطلبات الشعب الذي نصر الثورة ، وبالأساس يجب نفض كل ممارسات القمع والإرهاب في المؤسسات التعليمية ونقابات المعلمين التي تخرج انتخاباتها ممالئة للحزب الحاكم ، وفي بعض الدول لا يسمح حتى الآن بوجود نقابات للمعلمين بالمرة ، فإلى متى ؟
يجب – كما أعتقد بتواضع – الإنتهاء من ظاهرة التغريب اللغوي أو الاستغراب اللغوي في العالم العربي بفعل نفوذ الفرنسية والإنجليزية البريطانية ، وحديثا الإنجليزية الأمريكية ، والعمل على إيجاد سياسات لغوية أو سياسة لغوية واضحة الأسس والمعالم والأهداف ، سياسة مخططة على أعلى المستويات ولكنها معقلنة وعادلة ، سياسة لغوية تضع اللغات الأخرى في العالم العربي بمستوى الإهتمام والإيجابية كما العربية، فلا يعقل النظر للغة الكردية في العراق وسوريا كلغة هامشية. فالأكراد في الدولتين جزء هام ومحترم من النسيج الإجتماعي والثقافي ولا يمكن النظر للغة الأمازيغية لغة البربر في شمال أفريقيا كلغة هامشية. فالبربر جزء هام وحيّ من النسيج القومي والاجتماعي في شمال أفريقيا واحترام لغتهم يعني احترام كيانهم أيضا ، ولا يمكن لهذه القضية أن تبقى متعثرة في المغرب العربي خاصة وربما تكون تونس هي الطليعة .
هناك حاجة ماسة لمناقشة الموضوعات الفكرية وكذلك المضامين في التعليم من ناحية الدمقراطية وإعطاء المجال الدائم للنقد والنقد الذاتي والتجارب التعليمية المختلفة وإعطاء المجال للمدرسين وللجامعيين ولمعاهد الأبحاث أن تجرب كل طريقة جديدة وكل طريقة مكتسبة بحيث تجري عليها الدراسات ، تنقدها وتتحاور معها وتبني ما تستطيع من جديد
إن إبقاء الماء حتى لو كان الماء الزلال في مكانه وعدم جريانه يؤدي لتلوث الماء وجعله ماء آسنا وهكذا التعليم إن أفضل نظرية تعليمية أو تجربة تعليمية ستأسن وستتلوث ولن تصبح ذات فائدة إذا بقيت كما هي ، ولذلك التجديد يجب أن يكون في التعليم ووسائله ، وكذلك في فلسفة التعليم ،ومادته وأساليب تدريسه .
فحتى ماكان ينفع ونفع في ثورة 23 يوليو 1952م لا يمكن أن يكون جميعه نافعا اليوم ، يوجد في العالم العربي وفي مصر بالذات من كان ينقد ويشير إلى هذه الأوضاع ولكن مع الأسف الشديد بسبب طغيان النظام كان دائما " سمعان مش هان " ، بل كان بعضهم يبعد وربما البعض اعتقل وربما آخرون أبعدوا عن وظائفهم دون أن نسمع بهم ، فإذا كان ما رشح من وزارة الخارجية المصرية بعد الثورة السلمية ،عن ممارسات يقشعر لها البدن من تمييز بين الموظفين في نفس الوزارة ، فكيف الوضع في وزارة المعارف والتربية والتعليم ؟ حدث ولا حرج ...
نحن نصبو كما كل العالم المتنور وكما كل العرب لمستقبل زاهر لهذه الأمة ، بل للبشرية جمعاء ، ولذلك فرحنا ونفرح لكل نصر للشعوب .
( عرعرة – المثلث )
