ودّعت كفرياسيف والمنطقة وكافة جماهيرنا العربية الفلسطينية في هذه الديار يوم الاثنين 2010/12/27 شخصية بارزة وعلَما" يحتذى به من أعلام شعبنا البررة، ودعنا جميعا وبوجوه واجمة وعبرات سيّالة تتفطر وجدا ولهفا على ما حل بها ، وأعين دامعة وقلوب معتصرة حزنا" ولوعة، ودعنا قسنا الجليل رجل الدنيا والدين القس الكنن د.شحادة نعيم شحادة رئيس لجنة الدفاع عن الأرض العربية ونائب رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وأحد أعمدتها الراسخة الشامخة ، فارس يوم الأرض بجدارة ، وكان ان أمسينا في ليل اشق على النفس من ويل وأصبحنا في نهار أحلك من ليل .
عاش سنوات حياته عريضة في الكفاح مع شعبه، عايش الظلم فكانا ضديّن لا انسجام أو تفاهم بينهما – كما ينسجم الآخرون – عدوّين لدودين الى يوم الدين كانا ، متمشيا مع القائل :
أحارب الظلم مهما كان طابعه
البراق ،او كيفما كانت أساميه
وخير العلى في مذهبي دفع ظالم
وإنصاف مظلوم، وإنهاض جاثم
وذود عن الأوطان في كل موقف
تخاف به، الأوطان دفع المغارم.
خبر وفاته عزّ عليّ مستمعه ، واثّر في قلبي موقعه فانقبض اللسان عن هذا النعي الفادح ،وقصرت يداي عن التعزية بهذا الرزء الثقيل ، ولو كان البكاء يجدي نفعا لبللنا الثرى بدمعنا وأضفنا اليه من دم القلوب والأحداق
فلو يفدى فديناه، ولكن
أسير الموت ليس له فداء
فلقد كان القس يطئمن من هلعي وتسكن إليه نفسي ويأمن به روعي فكان بيننا من شدة الألفة ، ما اسقط الكلفة، فسكب في روحي كل ما أروى ظمأها إلى الخير والسكينة إلى المرحمة والمعدلة ، فكان صاحبا صحبة الوفاء ومعرفة الصفا بلا غش ولا هفا، شيء خبرته بالتجربة ولا ينبئك مثل خبير .
كريم لا يغيره صباح
عن الخلق الجميل ولا مساء
واني لأمدحه بالحق عن ثقة
والمدح بالحق غير المدح ، بالكذب.
حياته شريطا من الطيبة والإخلاص والتفاني واستقلال الرأي ، يواجه الاساءة بالإحسان، يتقبل الانتقادات البناءة بروح سميحة مرحة، أو ليس طيب الذكر في الدنيا على قدر الاحتمال وتجرّع المرائر ، صدق شاعرنا الكبير حنا إبراهيم حيث قال:
لم نك نرجو إن تفارقنا كذا
وان رحت مرضيا عليك وراضيا
هو الموت محسوب ولكن وقعه
كصاعقة تهوي على المرء غافيا
مصابنا لعمري كبير ، ونحن بالجزع لجديرون ، ولكننا بالصبر أجدر ولن يجد الحزن – على اشتداده وثقله – أن يسلبنا ثوب الثبات ، فالأقدار سهام اذا انطلقت لم ترد.
إن الحصى عند الجزوع ثقيلة
وضخم الصفا عند الصبور خفيف.
عهدناك أيها المعلم في النضال والكفاح عاملا" فعليا عند أدب الدين في التجلد والصبر ، آخذا بسيرة الحكماء في التدبر والتبصر فامتلكت فهم الحياة وسبر أغوارها وعميق الدين فيها بموازنة حقيقية الأمر الذي هو داخل مخزونك ومدركاتك المعرفية .
بنى الله للأخيار بيتا سماؤه
هموم وأحزان وحيطانه الصبر
وأدخلهم فيه وأغلق بابه
وقال لهم مفتاح بابكم الصبر
وقال بولس الرسول: الشدة تلد الصبر ، والصبر امتحان لنا ، والامتحان يلد الرجاء ، ورجاؤنا لا يخيب.
دافع القس وعارض وماحك تلك الآراء المريضة التي أرادت أن تمنع الحراك لواقعنا ، فأرادته واقعا مسترخيا آسنا، مستخدمة الدين كابحا لأي تفكير ومن ثم لأي تقدم نرجوه لأنفسنا ولمجتمعنا فارادوه صامتا كشواهد القبور، - والدين من ذلك براء – فخسئت أسوأ تجارة ممكنة وأكثرها نكارة وبشاعة وكان ان مشوا في الظلام ثعابين شائعات وذئاب مؤامرات .
قبل التعايش مع الفكر الآخر بمعايير الآخر، قبل المختلف بمقاييسه وقيمه ونظرته للأشياء ، قبل تعبيره حرا عما يعتقد. فالخلاف عنده لا يحرج صدرا ولا يؤذي أحدا ولا يفسد للودّ قضية وأمره انساني محض دائر بين خطأ وصواب وفي ظل الحب والإخاء بالإمكان أن نصل إلى ظل الحقيقة ، وحقيقة الشيء اذا علمت وجب الوقوف عندها ولم يعرّج على ما خرج منها.
ومن اجل حبي للحقيقة لم أكن
مع الزمن الغاوي إذا ما تقلّبا
ومن أجل جهدي في استقامته منطقي
أبيت لرأيي أن يكون مذبذبا.
حدائق العالم مليئة بنفايات الكذب والتملق والنفاق التي تتعايش مع الخير والشجاعة والمروءة ، والصدق والنبل ، مع الضمير الحيّ والواعي مع الخجل ومع الندم.
انبعثت وأشعت من القس تلك النخوة والمروءة وطهارة الضمير وسلامة الحس والدفاع عن الحق ونصرة المظلوم ، وإغاثة الملهوف ، تلك المزايا والصفات التي لا تجعل الإنسان إلا منحازا إلى الفقراء والطبقات المسحوقة البسيطة الطيبة مهضومة الحقوق ، فما كان إلا منحازا ذا موقف يصد المارقين عن جادة الإنصاف،فوقف دائما وأبدا من اجل إحقاق الحق وإعادته إلى نصابه وطبيعة مكانه.
وانك أرقى الناطقين تكلما
بحق ، وأنقى الساكتين ضمائرا
اذا شيء ظلم قمت للظلم رادعا
وان سيئ حق قمت للحق ناصرا.
دافع القس عن حقوق شعبه بعناد لا تشوبه الملاينة ومن على كل منبر بمنهجه الأصيل ببيان الحق وكشف الباطل، وعلم ان الكمال حلم يعيش في الخيال، ولو تحقق في الوجود ما طابت الحياة فمعنى الحياة كامن في صراعها وليس في كمالها، رفض الأساليب التقليدية التي قامت على الظن بان البعض يملك كل الحقيقة ، وان الآخرين لا يملكون غير قبض الريح ....... انه ظن آثم يضر بالحياة ويقضي على روح المؤاخاة والمعايشة ، فكان القس أوفر الناس حظا من مغنم الإنسانية انه من يألف ويؤلف ، ولا خير فيمن لا ..... ولا، فالحب عنده حادث لا يتقى بالتروس ومعنى لا يدب إلا في النفوس .
نظرته إلى الصلاح كانت بعيده عن الأهواء، فتجوس يد الإصلاح تلك في المرافق الهامدة فتحيي ميتها، نظرته إلى العدل كانت لا إلى التسلط والهيمنة، إلى تحرير الأرض التي عشقها وهام بها وكان فارسها، إلى تحرير الإنسان مهما كلف ذلك لا إلى الاستكانة بحياة الذّل أو الاستقالة من الدور الفاضل والمؤثر في الحياة، قانعا أن نتائج الظلم والاستئثار والعدوان لا تستقر ، بل يتوجب علينا رفضها ومواجهتها ومجاهدة النفس لنصرة الحق والعدل وحقوق الإنسان والاستقامة ، لا يجوز التفرج أو النأي بالنفس عن المسؤولية أو الاستسلام أمام الظالمين وتسليم الأمر.
صفاته وأخلاقه وسجاياه صفات تلبست برجال صدقوا في إيمانهم ونور الوطنية فيهم من نور الله ونور الله لا بد غالب على أمره ولو كره الكارهون، اوليس احدى أدوات التغيير في المجتمع هي الإنسان الصالح .
إني أراك وقفت من وطنيّة
محمودة الإخلاص اشرف موقفا
فالحق تنصره بهمة باسل
والأمر تنظره بعين المنصف
فبمثل سيرتك الأفاضل تقتدي
ولمثل مسعاك الأماجد تقتفي
نم قرير العين أيها القس الجليل،
إن استقامتك السلوكيّة التي ترجع بالنفع على الناس والمجتمع ما هي إلا نتاج "طبيعي" للاستقامة النفسية ، اوليس هذا هو جوهر الدين ، إن الشعور أيضا بمباهج الحياة والاستمتاع بها من روح الدين الذي جاء في الأصل لإسعاد الناس لا لتعذيب النفوس وإتعاسها ، ما أجمل ما نطق به شاعرنا الكبير – شاعر العروبة - سميح القاسم حين قال:
سنية، شيعية، علوية
درزية ، والمؤمنون سواء
قبسوا من القرآن نور عقيدة
ومن الأناجيل استقوا ، فأضاءوا
أيضير تغلب أن نصرانية
ولدت ، فكان الأاخوة الخلصاء
نحن المسمى، والمسمى واحد
عرب...... إذًا فلتكثر الأسماء.
شريفا نبيلا عفيفا لائقا لطيفا متزنا كان، هدّأ من ثورة غضب المتحمسين بلا معرفة ، قاد الجميع إلى الموقف السليم في العيش بسلام – هاجسه الأبدي – صفاته الطيبة وقلبه الكبير جذب إليها اناسا يفضون بمكنونات صدورهم ، اتصف بموهبة الإرشاد ساعد الناس في حل مشاكلهم مقدما الاقتراحات وما وسعت يمينه بمحبة وإخلاص فكانوا لقوله مستمعين ولرأيه متبعين ، حكمته وشعاره كما في إنجيل مرقس ، ان ابن البشر لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فداء عن كثيرين.
وعظنا في حياته وهو اليوم أوعظ منه أمس ، أحب الذخائر إليه ذخيرة العمل الصالح ، سندا لأهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم ، وطّن نفسه لزومه الحق والصبر عليه فيما خف عليه او ثقل ، من الأفاضل حلما ، ومن الأطهار جيبا ممن يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ، لا يقعد به الضعف ، من الكاظمين الغيظ ، العافين عن الناس ، لأن من انتقم شفي غيظه وانتصف ومن عفا تفضّل فكان من العافين ، او ليست مكارم الأخلاق ومعالي الهمم مما تسترق القلوب ، وتسرق العقول ، وتمتلك الأرواح! فكان إن هو الذي جلّ قدره وسار مسير الشمس ذكره ، فما الجنازة والوفود من كل حدب وصوب ومن كل ألوان الطيف الاجتماعي والسياسي إلا شاهد وبيان على ما نقول، لا يضيرنا ولا نقص من غاب.
في الامسية الاحتفالية بمناسبة صدور باكورة أعمال الشاعر الأستاذ سليمان مرقس والتي عقدها في نادي الحزب الشيوعي – الصداقة - في كفرياسيف كان غياب القس واضحا للجميع بسبب وعكته وفي كلمته أمام الحضور فاض قلم الأستاذ الدكتور بطرس دلة لهذا الغياب كما فاضت عيناه دمعا فقال :
يا أيها القس المبجل خطه
أنت المفدّى أيها المقدام.
جرس الكنيسة صامت متأمل
كيف استباحت روحك الأيام
وكذا المنابر حيث كنت عزيزها
تزهو بشخصك فوقها الأحلام
كم ذا وقفت عن اليتم مدافعا
وعن الفقير يليق فيك مقام
وصدفت في هذي الجموع مبشرا
كي يحقق في القريب سلام
قد كنت تؤمن أن حق جموعنا
بهدى النضال تحقق الأحلام
فلنا الأماني العراض ودعوة
ان سوف تشفى ويخسأ الأقزام
ولسوف ترجع للعرين مبجلا
أسدا يحثك للعلا الالهام .
نعم انه الرجل الكريم الذي ترك في نفوس عارفيه جميعهم أثرا لا تمحوه السنون وهو من الذين نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم .
ونحن بجبهتك - يا قسنا - وبصدق نوايانا وسلامة موقفنا ونظافة وسائلنا وغاياتنا التي تمدنا برباطة جأش ورسوخ قدم وشجاعة قلب كافية لمواجهة المواقف.
على طريقك باقون
