نحن العرب الفلسطينيّين الذين بقينا بعد حرب 1948 منغرسين في وطننا الذي لا وطن لنا سواه، جرّبنا على جلودنا ممارسات قمعيّة عنصريّة لا إنسانيّة عديدة منها السّياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ والثّقافيّ والدّينيّ الخ، وعوملنا لعقود عديدة كقضيّة أمنيّة وليس مواطنين في دولة تفخر بأنّها واحة الدّيمقراطيّة في الشّرق الاستبداديّ المتخلّف، وكانت هذه الممارسات ترمي إلى اقتلاعنا وترحيلنا، إلى الأرجنتين كما خطط دافيد بن غوريون في الخمسينات من القرن الماضي أو إلى الأردن (المسلمون) وإلى سوريا (الدروز) وإلى لبنان (المسيحيون) كما صرّح عيزر فايتسمان في السبعينات، أو تهدف إلى زرع فيروس اليأس في نفوسنا كي "نلمَّ شراشنا ونرحل" كما كتب أحدهم.
لم تقلقني تصريحات ليبرمان، وزير خارجيّة إسرائيل والمستوطن الكولينياليّ في بؤرة استيطانيّة سرطانيّة في الضّفّة الغربيّة المحتلّة حول تبادل مدن وقرى المثلث وأهلها، أصحاب الأرض الأصليّين، بالمستوطنات وسكّانها لصوص الأرض العابرين في كلام عابر، لأنّي أدرك أنّ هذه التّصريحات هي "ضراط على بلاط" كما يقول مثلنا الشّعبيّ، فالموضوع لم يطرح في المفاوضات وقد أكّد الرّئيس الفلسطينيّ محمود عبّاس أنّه يرفضه نصّا ومضمونا، كما أنّ القانون الدّوليّ يعارضه بشدّة، وسمعنا تصريحات صحفيّة من شخصيات إسرائيليّة رسميّة من اليسار واليمين تعارضه لأنّه غير واقعيّ، والأهمّ من ذلك كلّه نحن أصحاب التّجربة العريضة الذين اشتدّ عودهم وعرفوا المرّ والأمرّ والأشدّ مرارة في أيام الحكم العسكريّ وسيّارات التهجير والهويّات الحمراء وعانوا من سياسة التّجويع والتّجهيل والحصار الاقتصاديّ والثقافيّ عندما كان ليبرمان يلعب البنانير في روسيا. وصنعنا بدمائنا وبعرقنا وبإرادتنا الفولاذيّة أسطورة الصّمود والبقاء وابتكرنا يوم الأرض الخالد قبل أن يهاجر ليبرمان إلى وطننا.
وليبرمان ليس غبيّا وليس حمارا كما يظن البعض بل هو سياسيّ يمينيّ طموح تدرّج في المناصب من حارس بار إلى وزارة الخارجيّة ويحلم أن يكون خليفة لبنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة، وهذا ليس مستبعدا، ويرغب بأن يبقى في مركز الحدث، عدوّا لدودا للعرب في إسرائيل، ويسعى ليكسب المستوطنين والقوى اليمينيّة والدّينيّة إلى حزبه، وقد دلّ استطلاع رأيّ في صحيفة "يديعوت أحرونوت" الواسعة الانتشار أنّ أكثر من ستّين في المائة من قرّائها يؤيّدون هذه التّصريحات وهذا يدلّ على أنّ مناهج التدريس في المدارس العبريّة والإعلام الإسرائيليّ قد ساهما في تثقيف الأجيال على عدم قبول الآخر والتّنكّر لحقوقه بل على الحلم بالتخلّص منه، ويؤكّد على أنّ المواطن العربيّ في وطنه، وطن آبائه وأجداده، ما زال في نظر الغالبيّة من أبناء المجتمع الإسرائيلي قضيّة أمنيّة.
ويتحدّثون عن مناهج التّعليم الفلسطينيّة!!!!؟
يقول مثلنا الشعبيّ: "في عينه خشبّة ويقول للآخر ما هذه القشّة التي في عينك؟" !! .
