مهر الحسناء

single
   يتّفق معظم الناس على أنّ النظام الديمقراطي هو أفضل الأنظمة للمحافظة على كرامة الانسان وحريّته وحقوقه ويختلف الكثيرون في رؤيتهم لهذا النظام فالزعيم الليبي الذي وصل الى الحكم على ظهر دبابة يؤكد على أنّ الجماهيريّة الليبيّة هي ذروة الديمقراطية، والزعيم السوري الذي وصل الى القصر الجمهوري بمسرحيّة التوريث الكوميديّة يصرّ على أنّ سورية البعث هي الجمهوريّة الديمقراطيّة الوحيدة وأنّه سيصدّر الديمقراطيّة لأوروبا ويرى دعاة الخلافة الإسلامية أنّ الشورى هي أساس الديمقراطيّة على الرغم من أنّها بعيدة عنها بعد الثرى عن الثريّا، وهناك دول عديدة اسمت وتسمي نفسها ديمقراطية على الرغم من انعدام رائحة الديمقراطيّة فيها.
   ومن البديهي أنّ مصطلح الديمقراطيّة جديد على ثقافتنا وحياتنا العربية وقد عرفناه في القرن الماضي بعدما ساد في الدول الغربيّة. وذكر الكاتب المصري الشهيد د. فرج فودة في مقال له أنّه عندما رشّح أستاذ الجيل أحمد لطفي السيّد نفسه لعضويّة البرلمان المصريّ تفتّق ذهن منافسه عن حيلة طريفة فقد أخذ يجوب القرى والمدن معلنا أنّ أحمد لطفي السيّد والعياذ بالله ديمقراطي، ولأنّ الجهل بهذا المصطلح كان سائدا أخذ المستمعون يرددون عبارات مثل "أعوذ بالله" و "استغفر الله" بينما انبرى أنصار لطفي السيّد لإنكار الأمر مؤكدين أنّ الرجل من أسرة متديّنة، ولكنّ المنافس أقسم بأنّه سمع السيّد بأذنيه يؤكد على أنّه ديمقراطي فاذا كنتم يا ناس تريدون ترك الإسلام واعتناق الديمقراطية فانتخبوه.!
   وحدث أن أقام أنصار لطفي السيّد مهرجانا انتخابيا في سرادق كبير واحتشدت الجموع لسماعه وبعد أن ألقى كلمته سأله أحدهم: هل صحيح ما يشاع عن أنّك ديمقراطي؟ وردّ لطفي السيّد: نعم أنا ديمقراطي وسأظلّ مؤمنا بالديمقراطيّة ما حييت.
   واحترق السرادق وتقررت نتيجة الانتخابات.
   كان هذا في النصف الأول من القرن الماضي وأمّا اليوم فجماهير الشعب العربي تناضل وتتظاهر وتملأ الشوارع والساحات وتدفع الدماء والأرواح ثمنا للديمقراطيّة.
   وكانت الشعوب الغربيّة قد دفعت أيضا أرواح الألاف المؤلّفة من أبنائها طيلة قرون حتى بلورت مفهوم الديمقراطيّة ورسّخته في أنظمة بلدانها الملكيّة والجمهوريّة لذلك نراها اليوم متمسّكة بكل قواها بهذا النظام الذي ضمن لها الحريّة والحياة الكريمة والتقدّم والتطوّر.
   ونحن العرب وان كنّا قد اشترينا بأموالنا المخترعات الغربيّة وتمتّعنا بها مثل السيّارة والطائرة والثلاجة والتلفزيون والهاتف والخليوي والحاسوب وغيرها لكننا لا نستطيع أن نستورد الديمقراطيّة بالمال ولا يمكن أن نقتنيها مجّانا، فالديمقراطيّة لا تأتي إلينا على ظهر دبابة أو مجنزرة ولا يستطيع أن يهبنا إيّاها جنرال أو أميرال أو طيّار أو عقيد أو مشير أو مهيب بل هي انتاج شعبيّ ثوريّ يدفع العمّال والفلاحون والطلاب والشبّان، ذكورا واناثا، الأرواح والدماء والعرق مهرا لها.
   دفع الشعب العربيّ في تونس وفي مصر وما زال يدفع ولمّا تتحقق الديمقراطيّة حتى الآن فالمهر غال وما زال التوانسة والمصريّون في بداية المشوار ويحتاجون الى سنوات لتحقيق مرادهم.
   ودفع الشعب العربيّ في ليبيا واليمن وسوريا وسيدفع الكثير حتى تتحرك العربة.
قال أبو فراس الحمداني قبل ما يزيد على ألف عام:
تهون علينا في المعالي نفوسُنا     
                               ومن خطب الحسناء لم يغلها المهر
قد يهمّكم أيضا..
featured

كيف يسخّروننا جميعًا لبناء الهرم الرأسمالي

featured

لا وطن للإرهاب ولا مستقبل!

featured

ألناصرة مدينة عصرية

featured

جدارية معروفية

featured

"شي أوبّها تمام"

featured

بيبي نتنياهو دون كيشوت العصر

featured

إلى الراحلة نَفيسة مباركي (أم فاتن) في ذكرى الاربعين