ألناصرة مدينة عصرية

single

     لا شك أن زيارة قداسة البابا إلى بلادنا ذات أهمية كبرى على الصعيدين الديني والسياسي نظرا لموقعه العالمي الهام، ولرمزية مكانته ودوره القوي في التأثير على شريحة واسعة من الرأي العام. وإلا لماذا يهتم كبار المسؤولين الإسرائليين للسعي لمقابلته بين الحين والآخر، تحت شعارات عدة، دينية، اجتماعية وسياسية؟ ولماذا يكررون الضغط بين، الحين والآخر، لاستصدار بيان يدين المحرقة؟ وبالذات من فم من يعتلي العرش البابوي؟
     فإذا كان من المفروض أن يعمل رجال الدين على خدمة مبادئهم الدينية، ونشر روح المحبة والتسامح بين الشعوب، فإن لرجل السياسة دورا هاما في خدمة شعبه وبلاده، والمحافظة على مصالح الفئة التي ينتمي إليها. ولا شك لدينا ولدى كل إنسان مهما كان واعيا أو ساذجا إلا أن يدرك أن لهذه الزيارة أو الزيارات أهدافا وأبعادا دينية، اجتماعية وسياسية. ويكفينا في هذا المقام أن نشير إلى نقطة هامة جدا، وهي أن من شأن هذه الزيارة أن تساعد على تثبيت أقدام العرب المسيحيين في هذا البلاد، نظرا لظاهرة الهجرة المقلقة منذ عدة عقود، كما يمكن لهذه الزيارة، إذا استغلت بالشكل الصحيح، أن توثق عرى الصداقة بين أبناء الديانات الثلاث.
     ولذلك فإني أنظر برضى بالغ إلى حضور رموز دينية عربية من دروز ومسلمين ومسيحيين في اللقاءات مع قداسة البابا والوفد المرافق له، وانتابني شعور من الغبطة والسرور، بالذات للتصريحات الراقية التي أعلنها الشيخ موفق طريف التي تدعو إلى المحبة والحوار والتسامح بين الجميع، لأننا في أمس الحاجة إلى مثل هذه المواقف المشرفة. كما أدرك أهمية تواجد رجال سياسة عرب ومن مختلف الانتماءات الحزبية في أكثر من موقع تواجد فيها قداسة البابا. وإن حضور السياسيين، بالذات نابع، لا من موقف ديني، بل من موقف سياسي فاعل وواع لأهمية هذه الزيارة، كما أن تصريحات السيد محمد بركة، وهو الشيوعي، في أكثر من مناسبة وفي أكثر من موقع يؤكد على إدراكه لأهمية هذه الزيارة ولأهمية تمثيل الرأي العام العربي في هذه البلاد وضرورة خدمة المجتمع الذي ينتمي إليه، كذلك الأمر بالنسبة لكل موقف لمسؤولين عرب آخرين يخدم مصالح مجتمعنا عامة. لا أحد ينكر على أي إنسان كائنا من كان، من أي فئة دينية، أو سياسية أن يناقش، معارضا أو مؤيدا لهذه الزيارة أو لموقف قداسته من أي موضوع مطروح. ولكن أن نعلن المعاداة لمجرد إعلانها فإن ذلك لا يصب في خدمة قضايانا ولا يساهم في توطيد العلاقات بين أطياف مجتمعنا. 
     لقد أثبتت قيادة بلدية الناصرة منذ لحظة الإعلان عن هذه الزيارة مدى أهمية أن تكون الناصرة إحدى محطات قداسته، فصارعت، بوعي تام، من أجل تثبيت ذلك دون أن تتنازل عن حقها في استضافته على أرض هذه المدينة التاريخية. لقد وعى القيمون على هذه المدينة أهمية هذا الحدث وأدركوا جيدا أبعاد هذه الزيارة ووضعوا في الميزان مصالح الناصرة والمجتمع الناصري والعربي عامة، وتوصلوا إلى قرارهم هذا. إن خطاب السيد رامز جرايسي رئيس بلدية الناصرة أمام خمسين ألف إنسان له أهميته الكبرى، بالذات في الموقف الإنساني الراقي الذي طرحه، فقد عكس موقفا سياسيا واضحا تنادي به جميع القوى السياسية الفاعلة، وعكس وجه الناصرة المشرف أمام الرأي العام العالمي. لقد أثبتت مدينة الناصرة من خلال هذا الحدث العظيم أنها مدينة عصرية راقية، وإن الدور الذي قام به السيد علي سلام القائم بأعمال رئيس البلدية سيسجله له التاريخ، لأنه بذلك يثبت أن المصلحة العامة فوق كل المصالح، وأثبت أن مدينة الناصرة قادرة على استيعاب هذا الحدث وهذا الكم الهائل من الجموع البشرية بأسلوب حضاري راق، وإلا كيف نفسر تواجده اليومي في جبل القفزة موقع الحدث المركزي وتركه كل عمل آخر ليتفرغ لإنجاح المشروع؟
     لا يستطيع أحد أن ينكر هذه القدرة التنفيذية لمشروع المدرج الذي أقيم على جبل القفزة خلال فترة قصيرة جدا، لقد شكك حتى أصحاب النوايا الحسنة في مقدرة البلدية على تنفيذ هذه المشاريع. لكن التجربة اليوم تثبت أن العرب في هذه البلاد قادرون على تنفيذ الكثير، إذا توفرت الميزانيات، وقادرون حقا على إعطاء خدمات لمجتمعنا إذا توفرت الشروط المطلوبة.
     لقد أثبت أهلنا هنا أن تواجد خمسين ألفا هو بحد ذاته حدث عظيم، وأن هذا التلاقي يمر بسلام لأننا شعب يحب السلام، ويحب التآخي، لقد كان السيد رامز جرايسي رئيس البلدية واضحا في كلامه وواثقا في كل كلمة قالها، من قبل ومن بعد. نحن شعب حضاري ننشد العدل والمساواة، ونعمل على بناء مدينة عصرية، لقد أعلن بكل ثقة أن الناصرة بمسلميها ومسيحييها ترحب بقداسته، وطالب بوضوح تام إلى دفع عملية السلام، وتحقيق حلم الشعب الفلسطيني في إقامة دولته أسوة بكل الشعوب. فأثبت أهلها له ولرفيقه السيد علي سلام ولجميع العاملين والكادحين والساهرين على مصلحة البلدة أننا شعب حضاري. فكانت مدينتنا مدينة الناصرة في أبهى حلة اجتماعية، عكست محبة أهلها لها ولتاريخها ولعاداتها وتقاليدها السمحة. هذا هو شعب الناصرة الحقيقي وهذه هي الناصرة المدينة العصرية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

ارتفاع عدد جرائم القتل!

featured

ما تبقى من "الدمقراطية" الشكلية..!

featured

نحن بحاجة لشحذ الفأس

featured

السلام بين الحقيقة والوهم

featured

لنواجه الاعتداءات على حرية الفكر والتعبير

featured

ارحموا المعلمين من عصارة الذل

featured

اليهودي عاشق الحياة واليهودي عاشق الموت