// وجه الشبه بين ألمانيا 1935، جنوب افريقا 1948 وإسرائيل 2011 واضح جدا ولا يمكن تجاهله. قوانين "نيرنبرغ" التي عرّفت بوضوح "من هو المواطن الألماني" وقوانين "الابرتهايد": الفصل العنصري 1948 ، كانت بمثابة الانتقال من مرحلة تهيئة المواطنين لتقبَل ترتيب العلاقات بين الأكثرية والأقلية، الى مرحلة "قوننة" الانتهاكات وسن القوانين العنصرية سارية المفعول. وفي اللحظة التي أصبحت فيها العنصرية والتمييز هما "قانون دولة" تم قمع الأقلية وكبح لجام المعارضة وسيطر اليمين لسنوات طويلة على الحكم.
نقترب اليوم أكثر من أي وقت مضى، نحن الفلسطينيون مواطني دولة إسرائيل نحو مرحلة حرجة تهدد وجودنا من خلال التضييق و مصادرة حقوقنا ليس فقط كأقلية قومية، إنما تمتد لتطال حقوقنا الفردية كمواطنين أيضا. هذه الحقوق التي طالما لوّحت بها إسرائيل تحت عنوان "المساواة المدنية" وتحاول جاهدة بحجتها هذه، ثنينا عن المطالبة بـ "حقوقنا الجماعية" التي ترتكز بالأساس على كوننا أقلية قومية. في كل الأحوال، الظاهر أننا سنجرد قريبا من هذه "الامتيازات" أيضا.
إن المرحلة القادمة واضحة المعالم، حيث سيتم فيها انتهاك حقوق الأقلية العربية بشكل شرعي. هذا لا يعني انه خلال السنوات الماضية لم يتم انتهاك هذه الحقوق، إنما الفارق الأساسي الآن يكمن في شرعية "الانتهاك"، الذي أصبح "قانونا" يعاقب كل من يخالفه.
تأتي شرعنة "القمع" و"سياسة كم الأفواه" المتمثلة بالقوانين التي يتم تمريرها في هذه الفترة، كمقدمة للحقبة السياسية التي تنتظرنا مستقبلا وكمؤشر سلبي، يوجب علينا أن نتخذ الحيطة ونعيد ترتيب سلم أولوياتنا وأوراقنا. إذ يتوجب اليوم ومن منطلق مسؤولية تجاه أنفسنا وتجاه أبناء شعبنا، أن نكون حريصين كل الحرص على بناء إستراتيجية عمل مشتركة و واضحة لنا - كأحزاب سياسية وكمؤسسات مجتمع مدني تناضل من اجل الدفاع عن شعبنا الفلسطيني وحقوقه أينما كان- داخل وعبر الخط الأخضر.
نجد اليوم أنفسنا نحارب عدوا شرسا وذكيا، يستغل وجوده العلني والشرعي في السلطة ليقوم بسن قوانين عنصرية لا تمت للفكر الديمقراطي بصلة مع أنها نتاج النظام الديمقراطي نفسه، مما يزيد الهوة بين الديمقراطية كفكر، والتي تنبثق عنه قيم تحترم حقوق الإنسان والمواطن، وبين الديمقراطية الشكلية التي تتبنى المظاهر الشكلية مثل الانتخابات وحسم الأكثرية والتي لا تقل أهمية عن المفهوم الفكري. لكن الخطورة والتهديد الحقيقي يكونان عندما يتم استغلال الوسائل التي يوفرها النظام الديمقراطي مثل "قرار الأغلبية" على يد مجموعة من المتنفذين سياسيا، والذين يملكون سلطة اتخاذ القرارات ولا يرون أي أهمية لأحد أهم شروط قيام النظام الديمقراطي وهو احترام الأقليات وعدم الاستبداد بها.
وهذا ما يحصل اليوم في أروقة البرلمان الإسرائيلي. اذ تقوم الحكومة المشكّلة بأغلبها من أحزاب يمينية بتقديم اقتراح قانون يمس بشكل واضح بحقوق المواطنين والأقلية العربية، يتم التصويت عليه في القراءات الثلاث والنجاح في تمريره. وتحت غطاء السيرورة الديمقراطية شكلا ، يتم إضفاء شرعية قانونية لقانون غير ديمقراطي أساسا، يمس بالعمل السياسي والجماهيري المناهض والمعارض لسياسة الحكومة المتبعة.
هذا الوضع شبيه بأنظمة ديمقراطية تم استغلالها والوصول من خلال الانتخابات والسبل الشرعية المتفق عليها، الى الحكم، ومن ثم تم القضاء من الداخل على النظام الديمقراطي نفسه وتحويله إلى نظام دكتاتوري يخدم الفئة المسيطرة. ولأكون أوضح، فان هذا ما حصل في ألمانيا عند اعتلاء هتلر لسدة الحكم من خلال الانتخابات الديمقراطية الأخيرة التي عقدت في ألمانيا عام 1932. وللتشديد أكثر، فان تغيير نظام الحكم في ألمانيا ، لم يكن وليد لحظة بل تم من خلال تهيئة مسبقة للفكر النازي الذي لاقى آذانا صاغية لدى قطاعات من الرأي العام الألماني. تماما كما حصل في جنوب افريقيا: سن قوانين الفصل العنصري تم بصورة تدريجية عام 1948 بعد ان كان المجتمع الاستعماري الأبيض مجهز نفسيا ويمارس الفصل العنصري.
قوانين نيرنبرغ 1935 التي عرّفت بوضوح "من هو المواطن الألماني" وقوانين "الابرتهايد": الفصل العنصري 1948 ، كانت بمثابة الانتقال من مرحلة تهيئة المواطنين لتقبل ترتيب العلاقات بين الأكثرية والأقلية وبين القوي والضعيف. المرحلة التالية، كانت مرحلة "قوننة" الانتهاكات في ألمانيا وجنوب افريقيا من خلال سن قوانين عنصرية سارية المفعول.
في اللحظة التي اصبحت فيها العنصرية والتمييز هما "قانون الدولة" الذي يتوجب على جميع المواطنين الانصياع له والعمل به، تم قمع الأقلية والمساس بها من جهة، وكبح لجام المعارضة من جهة اخرى. مما أدى بطبيعة الحال إلى إحكام قبضة اليمين وتدعيم نفوذه لسنوات عديدة.
وجه الشبه بين ألمانيا 1935، جنوب افريقا 1948 وإسرائيل 2011 واضح جدا ولا يمكننا أبدا تجاهله، طبعا مع اختلاف اللاعبين السياسيين والفترة الزمنية التاريخية التي يجب أخذها بعين الاعتبار. ان هذه الخطوات المقيدة لا تأتي صدفة اليوم وهي نتاج للقوة المتزايدة في صفوف اليمين المتطرف، التي تغتال بشكل ممنهج أي بديل سياسي من الممكن طرحه مستقبلا.
هذه القوة المتزايدة التي يتم توظيفها من اجل سن قوانين قامعة والتي تمس بالأقلية وتكرس الملاحقات السياسية، تعرف بـ "استبداد الأغلبية". والأقلية نوعان، "الأقلية القومية" و "الأقلية السياسية". نحن الفلسطينيون في إسرائيل نقع في تعريف الخانتين، أي أننا نشكل "أقلية قومية وسياسية" في نفس الوقت. يعني في كل الأحوال سياسة "قص الأجنحة" تطولنا جميعا، ولا يهم إن كانت أقلية "حمراء" أو "برتقالية" أو "خضراء" اللون - أو أي لون آخر غير الذي يتبناه "الخط السياسي المهيمن". أغلبية لا تتوانى أبدا عن فرض العقوبات والملاحقة السياسية بتهمة "عدم الانصياع للقانون"، لنقف عاجزين عن التحرك في المجال السياسي الضيق المفروض علينا، دون أي قدرة للدفاع عن أنفسنا وتحت وطأة وجود مشروط ومهدد بشكل دائم، وخصوصا في ظل الظروف الراهنة، حيث أننا نقف اليوم أمام مطالب عديدة من محاولات "فرض الولاء" علينا والاعتراف بشرعية يهودية إسرائيل كشرط إجباري للحصول على الجنسية. نقف أمام قوانين تمنع وتعاقب كل من يحيي ذكرى النكبة. نقف أمام قوانين تفرض التقييدات والعقوبات على مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة في مجالات حقوقية عديدة. نقف أمام قوانين تعاقب من يتجرأ و"يقاطع" إسرائيل.
علينا، بالذات الان، فضح "الديمقراطية الإسرائيلية". لا ان نعود الى الوراء بل ان "نهرب" الى الأمام. ومن ينادي بعدم المشاركة في "اللعبة الديمقراطية" لأنها "ديمقراطية مزيفة"، وهناك أصلاً من ينادي بتعليق المشاركة في الانتخابات البرلمانية لدورة واحدة كخطوة تستهدف "فضح ديمقراطية اسرائيل"، لا ينفي نفسه طوعا خارج اللعبة السياسية فقط، إنما يجد نفسه عاجزا عن فرض "البديل" الذي يسعى لتحقيقه، لأن ما يحصل اليوم لهو دليل على أن "مربط الفرس" يكمن في تغيير القرار السياسي الحالي وليس في مقاطعته التي لن تحمل في طياتها أي تغيير ملموس يذكر "وكأنك يا ابو زيد ما غزيت".
اليوم أكثر من أي وقت آخر، ندخل في سباق مع الزمن، اذ يتوجب علينا اعادة تعريف الصراع وتوجيهه نحو منحى آخر يركز على "الديمقراطية المتآكلة" التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية، لذا أرى بوضوح أهمية تواجدنا في كل ميادين صنع القرار وخصوصا الكنيست. صحيح أننا لا نملك ثقلا انتخابيا الذي من شأنه التأثير بشكل مباشر على عملية اتخاذ القرار والقوانين الناتجة عنه. إلا أننا نملك ثقلا نوعيا، كممثلي الأقلية العربية وقسما من المعارضة السياسية. هذا الثقل النوعي، يمكّننا من تجنيد دعم دولي يرتكز على ائتلافات بيننا وبين العديد من الأطر المناهضة لسياسات المس بحقوق المواطن والإنسان وهذه الائتلافات ستكون بمثابة قوة ضغط وردع للانتهاكات الإسرائيلية المستمرة تجاه "مواطنيها" العرب.
• الكاتبة باحثة في مركز "جيلو" لدراسات المواطنة والدمقراطية،
قسم العلوم السياسية - الجامعة العبرية
