ارحموا المعلمين من عصارة الذل

single

في رواية الاديب الفرنسي دي سانت اكسوبري "ارض البشر" قال ان بداخل كل منا اميرا نائما يستيقظ وقت الخطر حين يواجه الانسان التحديات وحين يستيقظ الامير يتغير مجرى حياتنا.
لكن وزارة المعارف الاسرائيلية- خصوصًا القسم العربي - تأبى أن يستيقظ الأمير في داخل أعماق المعلم العربي، بل تسعى لبقاء الامير نائمًا أو ميتًا، فهناك سياسة محددة ذات منهاج غامض تسعى لسحق المعلم حتى يلتصق بالحائط ولا يفكر الا بكيفية الحصول على رضى المسئولين واشعال البخور امام المفتش والمدير، أو تفتيت شخصيته عبر مشاهد انفاق التعيينات والمحسوبيات والتوظيفات التي تغلغلت في صور واشكال عديدة.
كلنا نعرف مدى حجم المحسوبيات في وزارة المعارف التي تشيب لهولها القصص والحكايات التي نسمعها ونراها تعيش حولنا ممثلة في الكثير من الوجوه، نسمعها واحيانًا لا نصدق أن وزارة تربية وتعليم قد تتحول الى قطعة مطاط يمطونها حسب المصالح الشخصية.
 دائمًا قبل بداية السنة الدراسية تطفو على السطح قضية التعيينات والتنقلات بين المعلمين والمعلمات التي هي اشبه بلوحات من الذل والتوسل والترجي والتكلم مع هذا وذاك.
يتحول المفتش والمدير والكبير والصغير والقريب من خال وعم المسؤول في وزارة المعارف الى ملك وصاحب الصولجان، وهذا بما أننا من الشعوب التي تؤمن ان خير طريق للتوظيف والتعيين هي "الواسطة" وطرق ابواب المسئولين، لأننا في اعماقنا لا نثق بالقائمين على هذه الوظائف، لأن صورتهم في أذهاننا ارتبطت بالخفاء وخلف الستار ومن تحت الطاولة وليس بالطرق الطبيعية للمسيرة من التوجه وتقديم الطلب ثم العمل حسب الشهادات ودرجة الثقافة.
سنة بعد سنة تكبر لدينا القناعات ان المعلم في ميدان التعيين لا بد ان يمر في معصرة الذل، تبقى تعصره حتى ينز سائل الكرامة من شخصيته ويندلق فوق ساحات الترجي والتوسل والتوسط لدى فلان وعلان، بعدما يرى الذين لم يتعبوا مثله ولم يركضوا قد حصلوا على الوظائف وكانت الطرق العرجاء والمعوجة و"كارت غوار" هي الوسائل التي اوصلتهم.
نصرخ ونقول لكل مجتهد نصيب، واذ بالمجتمع يقهقه بأعلى صوته "الواسطة هي النصيب" واذا اردت ان تعرف حقيقة الاجتهاد فتش في المدارس العربية وقم بمعرفة الخلفيات والطرق الالتفافية والتعيينات وسترى وتسمع قصص عجب العجاب.
في جلسة ضمتني مع بعض المعلمين والمعلمات، تكلموا عن ذاك المفتش الذي لم يترك احدا من عائلته الا قام بتعينه معلمًا أو مديرًا أو حتى مساعدة معلمة، أو المدير الذي سعى لتوظيف وتعيبن زوجته واولاده وقام بصفقات مع مدراء اخرين لتوظيف قريباته، وعن المفتش المتقاعد بعد ان قام بتوظيف عائلته داخل بلدته بالإضافة الى اقربائه، وكانت وزارة المعارف ترى وتسمع ولم تقم بالتفتيش خلف احد والكشف عن خارطة الطريق الى المحسوبيات – عذرًا أبو مازن..
وتكلموا عن رؤساء السلطات المحلية الذين وضعوا مصالح ناخبيهم فوق مصالح مدارسهم، فعينوا من الذين انتخبوهم مدراء ومعلمين، وقد ساعدهم المسئولون في وزارة المعارف على تمرير المخططات، واليوم يعرف اهالي كل قرية ومدينة عربية اسماء المديرين قبل بناء المدرسة ومهزلة " المخراز " لم تعد تنطلي على أحد.
في زيارة لمكتب وزارة المعارف في منطقة المركز وجدت المئات من المعلمين، هذا يريد النقل من منطقة الى أخرى وهذا يريد زيادة ساعات عمله، لكن يقولون وابتسامة صفراء على الوجوه: مهما قدمنا من طلبات فبدون كارت واسطة لن نحصل على شيء.
تأملت الوجوه وجدتها متعبة، تعاني من ظلم خفي، طاقات تعليمية وقدرات اختفت وهي تركض وراء الحصص ووراء الساعات التعليمية، لم تعد العملية التعليمية مشرقة بناءة وأشرف المهن، ما دمنا لا نتعامل معها من منطلق الانسان المناسب في المكان المناسب.
اسالوا كل معلم ومعلمة كم بذلوا من جهد وواسطة وذل كي يحصلوا على التعيين ولو بعدة ساعات تعليمية، لقد اصبحت وزارة المعارف اشبه بمعصرة تعصر طموحاتهم وقدراتهم، فعندما يرون المحسوبيات تسرح وتمرح بين مكاتب وزارة المعارف وموجودة في جيوب المسؤولين يبرزونها امام معارفهم، ويعرفون أن واسطة مدير ومفتش وأحد المقربين من طنجرة المعارف قد يكون لها فعل السحر اكثر من شهادتهم وعلمهم حتمًا سيصابون بمرض عدم الثقة بمجتمعهم.
 والسؤال كيف سنخرج الاجيال التي ستقود المستقبل في هذه الاجواء الملوثة بالواسطات والمحسوبيات؟ وهل نستحق فعلًا ادارة ذاتية للتعليم العربي؟
ملاحظة لا بد منها: لقد منحت وزارة المعارف السلطات المحلية والبلديات العربية ادارة المدارس الثانوية، فماذا فعلنا بها.. لقد قامت أكثر البلديات والسلطات المحلية ببيعها لشركات يهودية بعد ان دخلوا في فوضى في الادارة وعجز مالي.
 قامت السلطات المحلية والبلديات بوضع المدارس في اسواق الانتخابات، رهنت المدارس في ميادين الرهان العائلي ودغدغت المصالح، تركتها تحت رحمة مقامرة العائلية والطائفية يقسمون كعكات المدارس حسب مزاجهم، المدير لتلك العائلة، والنائب لتلك العائلة.. وهلمجرا من طرق التحطيم الذاتي.
 وينهار الهرم التعليمي أمام اعيننا، ثم نبكي ونولول لماذا نسبة النجاح بامتحانات البجروت متدنية؟ ولماذا مدارسنا يتفشى فيها الترهل والضعف.. الف لماذا؟.. فتشوا عن التلم الاعوج.

قد يهمّكم أيضا..
featured

باقون في كفر قاسم

featured

توفيق طوبي - كلما التقينا اسمَه تذكّرنا شعبنا

featured

البندقية سيدة الموقف في نهج حكام إسرائيل

featured

الإنسان :بين رحى الذاكرة والنسيان*

featured

هل الزمن يُعيد نفسه؟

featured

برامج سياسية تحالفية واضحة المعالم والأهداف

featured

نتنياهو... سوبرمان الأمن!!

featured

الحرب والغنيمة: "خذوا النفط"!