الإنسان :بين رحى الذاكرة والنسيان*

single

منحوتة "الإنسان المفكّر" - محاولة الاستذكار تتمثّل بوضعيّته



غالبًا ما لا ينتبه الناس لوجود الذاكرة،  إلّا عندما تنسى هي القيام بواجبها بالتذكّر.
كان أفلاطون، الفيلسوف اليوناني، يجيب كلّما سألوه ما هي الذاكرة ويقول: إنها تشبه كثيرا ما يَنْتُجُ عن ويبقى من النَقٍّش والرسم على ألواح الشمع، أو إنّها تشبه القفص الكبير الذي تطير بداخله عصافير كثيرة وإنّها ايضا تشبه جلوس "رئيس الديوان" بداخلنا وهو يدوُّن بدقّة كل الأقوال والأخبار والأحداث.
يقول إتكينسون إن الذاكرة ما هي إِلَّا إحدى القدرات الذهنيّة ووظيفتها تتكوّن في تشفير وتخزين واستلال المعلومات.
أمّا أيْزِنك فيقول بإنّه لولا الذاكرة لما استطعنا تذكّر أحداث الماضي وما كنّا تعلّمنا أو طوّرنا لغتنا وعلاقاتنا وما كنّا تذكّرنا هويّتنا الشخصية.
يُعْرَفُ عن بعض الكائنات الحيّة بأنها تمتلك ذاكرة قويّة جدا، مثل: الفيل، السنجاب، الطيور (اللقلق بالذات)، الأخطبوط وغيرها.
يقال إن السنجاب يخبئ بموسم نضوج ثمار الجوز المئات منها، بأماكن عديدة مختلفة، وأن بإمكانه إستذكار أماكنها، بعد عدٌة شهور من ذلك،  وجمع ما لا يقلّ عن ٧٠٪ من حبّات الجوز التي خبّأها هو بنفسه من ذي قبل.
وإن قلنا لفلان: أنت كالسنجاب، تذكرُ كلّ شيء ولا تنسى، عليه ان يفرح.
تُخزَنُ ذاكرة المعلومات العامة بقشرة النصف الأيسر من الدماغ، أمّا ذكريات تجارب الحياة فتُخزَنُ بناحية اليمين من قشرة الدماغ. ويقول العلماء بأنّ ذاكرة العواطف ومشاعر القلق والخوف والتوتّر تَستَوطن مراكز داخلية من الدماغ التي تدعى أميچدالا (نواة اللوز)، امّا ذاكرة العادات والقدرات المُكْتَسَبة والحَدْس فتوجد كلُّها بنواة القاعدة وبقشرة المخ .
تثبت الأبحاث الحديثة أن النواقل الدماغية مثل الدوپامين والأدرينالين والكورتيزول وبعض العوامل الجينيّة الوراثية لها صلة مباشرة بسيرورة الذاكرة وعملية تخزين واستلال (استرجاع) الذكريات.
يَقُولُ العلماء بأنّ الإنسان العادي يخزُن معلومات، بذاكرته، طوال حياته، تقدّر بحجم خمسمئة مرّة من حجم المعارف المنشورة بكل مجلّدات الموسوعة البريطانية، أي ما يضاهي مليون مليار معلومة.
لا بدّ من الإشارة هنا الى ضرورة التمييز بين الذاكرة والذكريات، فالاولى هي الآلية والثانية هي الجوهر الشامل والمحفوظ بخزّانات الذاكرة.
يُجْمِعُ العلماء بأن للنسيان لغة جسديّة واحدة، بحركات الوجه، مشتركة لأبناء الشعوب المختلفة، وتتلخص هذه بالتالي: نظرة سارحة، سمات تعبير المفاجأة، فم مفتوح وشقلبة العينين.
أمّا محاولة الاستذكار فتتمثّل بوضعيّة "الإنسان المفكّر": يد تحت الذقن، نظرة باحثة، جبين متجعّد، لكمة غاضبة على الرأس ونظرة الاستجداء.
وبلحظة التذكّر، نرى غالبية البشر تطقطق وتفرك أصابعها، أو أنّها تدقّ بقبضة اليد.
يعتقد الكثيرون من الإخصّائيين، والناس عامة، أنّ الذاكرة والنسيان هما وجهان لنفس العملة، لا خير مطلق بهذا ولا شرّ مطلق بذلك وأنّ الواحد يكمِّل الآخر وأن لكلّ من الذاكرة والنسيان وظائف وفوائد عديدة ومضارًا كثيرة كذلك، وأنّ الواحدة توأم للآخر.
كان فرويد يعتقد أنّ لا صدفة بالنسيان وأن الكبت هو المسؤول عن ذلك بسبب كون تلك الذكريات مشحونة بعواطف ترفع من مستويات القلق عند البشر.
أمّا أدلر،  فكان يؤمن بوجود غاية وهدف للنسيان وبأننا ننسى ما لا نرغب عمله.
هنالك ثلاث مراحل أساسية للذاكرة ولعملية تكوين الذكريات: الاستيعاب والتخزين والاستلال (الاسترجاع).
والمعروف هو أنه من الضروري أن تكون قدرات  الانتباه والتركيز عالية جدا والظروف مؤاتية بمرحلة الاستيعاب قبل تخزين الذكريات من اجل الحفاظ على اكبر حجم مِن المعلومات في مخازن الذّاكرة، لذلك نعتبر هذه المرحلة أنّها الأكثر أهمّية بعملية الذاكرة والتذكّر.
تُعَرَّفُ عملية إستلال الذكريات أنّها الإمتحان الأكبر للذاكرة،لها سبب ووجهة وهدف ،فعند الإستلال/الأسترجاع تُكرّم الذاكرة أو تهان ولا دور يذكر هنا لعملية التخزين. أمّا من حيث الأبعاد الزمنية،فالذاكرة تصنَف الى ثلاثة:
١-القصيرة جدا /المباشرة (لغاية ثوان) .
٢-القصيرة /الوسيطة/ الحديثة:من دقائق الى أيّام) .
٣-البعيدة / الطويلة (أشهر وسنوات).
هذا وبإمكاننا تصنيف الذاكرة وتوزيعها بين عشرات الفصائل (ربما اكثر من مئة) ،فبعض الناس يمتلك،على سبيل المثال، ذاكرة أقوى للأرقام والبعض الآخر لتذكّر الأسماء،الألوان ،الروائح، الألحان ،النكات، أحداث الطفولة، الأماكن، وهنالك ذاكرة لتجارب الحياة الشخصية وذاكرة المعرفة العامة، ذاكرة للماضي وأخرى للمستقبل (هذه الأخيرة تميّز الإنسان وحده من بين كل الكائنات الحيّة)، وذاكرة موجَّهَة وأخرى غير موجَّهَة، ذاكرة الألم الجسدي وتلك للألم النفسي، الذاكرة البصريّة والذاكرة السمعيّة وغير ذلك بكثير.



(نعيد نشر هذا المقال بسبب خطأ تقني أدى الى حذف أجزاء هامة منه الأسبوع الماضي)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لقاء الشركاء

featured

هذه بضاعتكم رُدَّت إليكم

featured

كلمة المربي سهيل عطالله في افتتاح المهرجان الختامي لانتخابات الكنيست

featured

مآلات حركة الاحتجاج

featured

جهاز التعليم في إسرائيل: علامة راسب!

featured

حين يبكي مجرمو الحرب على الحريات..!

featured

مناضل شيوعي أممي من بلدي جت

featured

احشفا وسوء كيلة