نتنياهو وبرلوسكوني – "على شكلو شكشكلو"!
*بانوراما سريعة في حركات اقتصادية عالمية*
لو أمعنا النظر عن كثب بطاقم عمل المستشارين لرجال الأعمال الإسرائيليين والحيتان الرأسمالية على وجه التحديد، لذهِلنا من وجود مستشارين سابقين اشغلوا مناصب رفيعة المستوى في الهيئات الحكومية، يعملون اليوم لصالح رجل الأعمال وتطبيق خطته الاقتصادية وجني الأرباح العالية ومساعدته على معرفة القوانين الاقتصادية
انفض الغبار عن المرحلة الأولى لحركة الاحتجاج في إسرائيل. وقد ساهم هذا الاحتجاج بتغيير أولي لنمط الخطاب الإسرائيلي من استحواذ الخطاب الإثني- الأمني إلى خطاب اقتصادي- اجتماعي، وكذلك فجَّر قضية توزيع الموارد وإعادة النظر بتقسيم كعكة ميزانية الدولة، حيث طرحت تساؤلات جديدة، كانت حكرا على اليسار الراديكالي ردحا طويلا من الزمن، هذه التساؤلات تتطرق لـ"بقرة الأمن المقدسة" وجدوى تخصيص ما يقارب 58 مليار شاقل سنويا من مجمل ميزانية إسرائيل البالغة نحو 320 مليار شاقل لأغراض "الأمن" والعسكرة أي ما يوازي حوالي 19% من الميزانية، وهذه هي ميزانية "الأمن" المباشرة ناهيك عن البنود "الأمنية" في مختلف الوزارات والتي تزيد عن بنود "الأمن" المباشر. وللمرة الأولى، يتم طرح موضوع عبء تكلفة المستوطنين على خزينة الدولة والإشارة بأن حماية عائلة تسكن بالمستوطنات يكلف الدولة ربع مليون دولار سنويا.
لا شك أن لهذه المعطيات أهمية كبرى ونحن نعي جيدا أن لا فصل بين الاقتصاد والسياسة، ونعي أن كل قضية اجتماعية- اقتصادية في إسرائيل تلبس الثوب السياسي بجدارة ولا يمكن اعتبارها إلا قضية سياسية خالصة.
قرأتُ تحليلات سياسية كثيرة لحركة الاحتجاجات الأخيرة، هنالك من يؤيد المشاركة، هنالك من يمتعض منها، هنالك من يبرر الانخراط بهذا الاحتجاج وهنالك من يسعى لتجنبه.
ولكن..عند قراءتي لمعطيات تنشر مؤخرا بالنشرات الاقتصادية في إسرائيل، رأيتُ من باب المسؤولية أن أوضِّح جانبًا لم يتم خوض غماره بشكل كاف.
*مستشارون حكوميون للراسماليين!*
لقد اُسدل الستار على حقيقة مؤلمة يتميز بها النظام الرأسمالي وبالذات الأمريكي والإسرائيلي، وهي تشغيل موظفي الوزارات والجهات الحكومية كمستشارين اقتصاديين عند الشركات الكبرى بعد فترة من انتهاء عملهم بالدوائر والهيئات الحكومية.
عندما يتولى موظف الدولة منصبا ما، من المفروض أن يخدم مصلحة المجتمع العامة وان يكون هذا الموظف بمثابة جهاز رقابة ديناميكي ويمنع الاختلاسات والخروقات والسرقات. فكم بالحري عندما نتحدث عن منصب رفيع المستوى بوزارة المالية أو مستشار لوزير المالية نفسه.
لو أمعنا النظر عن كثب بطاقم عمل المستشارين لرجال الأعمال الإسرائيليين والحيتان الرأسمالية على وجه التحديد، لذهِلنا من وجود مستشارين سابقين اشغلوا مناصب رفيعة المستوى في الهيئات الحكومية، يعملون اليوم لصالح رجل الأعمال وتطبيق خطته الاقتصادية وجني الأرباح العالية ومساعدته على معرفة القوانين الاقتصادية. والأهم من ذلك معرفة خروقات هذه القوانين وديناميكية العمل ومواطن الثغرات للخطط المستقبلية والنفوس الفاعلة.. ليتسنى لرجال الأعمال السيطرة على اكبر قدر من موارد الدولة بطُرق المواربة ولكنها قانونية.
ما موقف مراقب الدولة من هذه العملية التكتيكية؟ أين التحديدات التي من المفروض أن يفرضها القانون على تشغيل موظفين حكوميين في شركات خاصة؟ كيف يمكن لموظف أو مستشار في وزارة المالية أو سلطة الأوراق المالية الذي كان بالأمس القريب يعمل بوظيفة العين الساهرة على مصلحة موارد الدولة وفرض تقييدا على رجال الأعمال يحد من استبدادهم الاقتصادي وفرض عقوبات عليهم إذا لزم الأمر.. كيف يمكن أن يصبح هو موجّها ومبرمجا لأجندة اقتصادية ضيقة تخدم فقط المصلحة الشخصية لحوت رأس المال وتعزز من نفوذه مقابل رواتب دسمة جدا تصل ملايين الشواقل سنويًا؟
أما في أمريكا، فتم كشف النقاب مؤخرا عن صفقة من الطراز الثقيل أُبرمت بين احد البنوك الرئيسية من جهة وواحدة من سلطات الأوراق المالية والتي عملها بالأساس مبني على رقابة البنوك المصرفية وتقييد نشاطها، مفادها بأن تتخلى سلطة الأوراق المالية عن فكرة التحقيق مع مديري البنك والمتهمين بالاختلاس وجني أرباح بسبل غير قانونية وشرعية ومقابل ذلك يتم استيعاب "نخبة موظفي" سلطة الأوراق المالية في وظائف مركزية وحساسة بالبنك مقابل رواتب لا يتخيلها العقل البشري.
*ايطاليا وبرلوسكوني كنموذج*
سلفيو برلوسكوني، يحب أن يتصدر عناوين الصحف وبغزارة. فبعد أن أعلن عن رفضه للمطلب الفلسطيني بنيل العضوية الدائمة بالأمم المتحدة وتأييد حصار غزة والعمل جاهدا كقاطع طريق لدحر سفن المساعدة لشعبنا الفلسطيني المحاصر، ها هو يتصدر الصحف الأوروبية مجددا وبالتحديد الصحف الاقتصادية الايطالية.
وهذه المرة يطرق الرئيس باب الإعلام ليس عبر فضائحه الجنسية (آخر تصريح ناري له طمأن به الشعب الايطالي انه يملك القدرة على مضاجعة ثماني نساء في ليلة ودفعة واحدة وعلى رأيه الحبل على الجرار..!) لا بل لأنه متهم باثنتي عشرة تهمة اختلاس وتصرف غير مسئول بالأموال العامة!
في نظري، ايطاليا تقف أمام مفترق طرق حساس جدا وبدأ السكان هناك يشعرون بغليان بركان التضخم المالي والركود الاقتصادي يهم بالانفجار من تحت أقدامهم. فلأول مرة نسمع من المحللين الاقتصاديين المقارنة بين الاقتصاد الايطالي من جهة والاقتصاد اليوناني المنهار من جهة أخرى، فهم باتوا لا يستطيعون التستر على مشاعر التخوف من أن محطة قطار الأزمة الاقتصادية الأوروبية.. بعد اليونان هي دولة ايطاليا.
إنّ مظاهر الفساد السلطوية طاغية على المشهد الايطالي في الآونة الأخيرة وهنالك تطبيق وممارسة للنظرية التي تتحدث عن العلاقة المباشرة بين السلطة والمال، حيث يقدر مجمل الرواتب المدفوعة للعاملين في مجال السياسة بايطاليا نحو 23 مليار يورو سنويا.
ايطاليا باتت لا تتميز بالإجرام المنظم والاختلاس المؤسس والممنهج والمبرر فقط، بل أضحت ملهما لعمليات التهرب الضريبي وهذا يكلف خزينة ايطاليا نحو 123 مليون يورو سنويا!!! (التهرب الضريبي نسبةً للناتج المحلي الإجمالي بايطاليا يصل الى 27% وهي من النسب الأعلى في العالم فعلى سبيل المثال النسبة في إسرائيل تصل الى 23%)
وكان قد صرح برلوسكوني سنة 2004 وعندها كان يشغل منصب رئيس الحكومة " إن عملية التهرب الضريبي ليس بمصيبة كبرى ولا حاجة لتضخيم الحدث "وهذا تصريح لرئيس حكومة ايطالي والأكثر ثراءً هناك وصاحب شركة الاستثمارات المشهورة "فيناينووست" والتي تملك نادي ميلان العريق لكرة القدم وتسيطر على عدة محطات تلفزة أوروبية، وحتى يتخلص من التهم الموجهة ضده بفضيحة الاختلاسات بقضية " فيناينووست"، أقر هذا الرجل في بداية ولايته الثانية سنة 2001 قانونا مفاده أن تزييف التقارير المالية لأية شركة كانت لا يعتبر مخالفة جنائية وهذا شكّل غطاءً قانونيا له للتنصل من المسئولية المباشرة كمدير للشركة.
بمعادلة بسيطة ومن دون جهد يذكر، نجد أنه بالسنوات العشر الأخيرة خسرت ايطاليا ما يقارب 1800 مليار يورو نتيجة للاختلاسات، الفساد، التهرب الضريبي، الإجرام المنظم وانفراد السيد سلفيو وحاشيته بالحكم والسيطرة على مؤسسات الدولة وبالذات وسائل الإعلام.
وحسب رأيكم، كم يبلغ دين الخزينة الايطالية؟
نعم، تمامًا... 1800 مليار يورو!
معالم الاقتصاد الأوروبي في الآونة الأخيرة غير واضحة وغامضة، هنالك تخوف من أزمة اقتصادية حادة تعصف البلاد، هل أحداث اليونان وتخبّط الاقتصاد الايطالي بعد ممارسات برلوسكوني المذكورة أعلاه هي عبارة عن كرة ثلج تتبلور وستطال الدول الأوروبية مما سيلقي بظلاله على الاقتصاد الإسرائيلي أيضًا؟
(سولم)
