(نصّ الكلمة التي أُلقيت في تأبين توفيق طوبي- الناصرة 16.03.2012)
توفيق طوبي، قائدُنا الكبير، ودّعنا من نافذته المطلة على وادي النَّسناس، فانصرفنا، فورًا، إلى شؤوننا. لأنّا كلما التقينا اسمَه تذكّرنا شعبنا، بهذه القسوة عوّدنا على التماهي التامِّ بين شخصه والشأن العامّ!
توفيق طوبي من أسماء فلسطين الحُسنى، كان الصوت الديمقراطيّ في الحركة الوطنية التقليدية، وإبّان تسونامي النكبة الذي فجّرته الصهيونية، بتساوق مع الإمبريالية وتواطؤ الرجعية العربية – بهذا الترتيب - كما علّمنا هو - كتب الشابّ توفيق منشورًا حارًّا يحُضّ على البقاء، وزّعه على أهالي وادي النَّسناس، ثمّ انطلق للحؤول دون الهجرة القسريّة إلى الشِّمال. وبحيلة عفوية تجاوز ابن السابعة والعشرين مرابط الهچاناه على ضفاف النعامين، ووزّع منشوره على الرفاق في عكا حيث تجمّع اللاجئون، وفي الحال طار بشنطة مناشيره إلى الناصرة.
وبقيَ بعضُ الناس.. وبمواجهة شاحنات الترحيل بقيَ آخرون، وفي المعركة المنتصرة على إلغاء هُويّات الترحيل الحمراء حسم بقاء خمسة عشر بالمائة من أهل البلاد الأصليّين.. وبتصدِّيه الشجاع أماط اللِّثام عن مجزرة كفر قاسم التي أرادوا من خلالِها "المثلث" من دون أصحابه.. بَلْهَ حملات التثقيف للحضّ على البقاء والتجذّر. في كل هذا كان الشاب توفيق طوبي يتحمّل مسؤولية العائلة المنكوبة بعد فقد الوالديْن.. يشهر الأمل في وجه الألم ويغرس الثبات في قلب الضَّياع، وينفخ من وهج نفسه في رماد النكبة ليحوّله جمرات بقاء وشعلة حياة.
وبهذا كتب التاريخ عنوان الصفحة الأولى: توفيق طوبي قائد مسيرة البقاء، الإنجاز الفِلسطيني الأبعد مدى، وكفى بهذا التسجيل فخرا.
ولم يكن ذلك سهلا، فقرأنا عن زياراتِ الشاب توفيق طوبي إلى مجدل عسقلان تصديًا لتهجير أهلها، وفي اليوم الحاسم شاهدهم يهتفون: يعيش بن غوريون يسقط توفيق طوبي.. أشبه بكفر عمّار بن ياسر – ابن الشهيدين الأولين - وهو بين يديّ أبي جهل.. وحشرجة الحمل بين فكّي الذئب، وكنت دون الثلاثين تقف في وجه بن چوريون، تطرح قضية التفتيش في "عرب الشبلي" وقتل ثلاثة من "عارة وعرعرة" فينقضّ عليك البناچرة أجمعون.
كلٌّ ينادي غائثًا ومخلِّصًا ووقفتَ وحدَك في الرجال مُنادى
كلما دخلت قرية عامرة برفاقنا تذكّرتك يا رجل.. كنت تتحدى مَثَلَ الزارع في الإنجيل، فبذارك نبتت على الطريق والمواقع المحجَّرة واشرأبَّت بين الشَّوك؛ لأنّ الزارع كان واثقًا بصواب قلبه. وكلّما فشلنا في بناء فرع جديد تذكّرتك..، أنت - النائم على خاصرة الكرمل - بجانب موج حيفا الذي ما فتئ يكرر محاولاته الأزلية للوصول إلى الشاطئ.
* * *
شكرًا أولچا الغالية؛ لأنني كلما طلبت مقابلة أبي إلياس أجبت، تارة، بـ"نعم"؛ لأجلي، وطورًا بـ"لا" غير الاعتذارية؛ لأجله.. وكلما أذنت لي أولچا بزيارته، مرة في الشهر، كنت أشعر بأنني وحدي لا أكفي... فكنت أجلب له معلومات من مصادر حديثة لأتّكئ عليها وأكون مجديًا وجديرًا بلقائه. فأسارعه القول: قرأت لدى "توم سيچڤ" عن تصدِّيك لتحويل وادي النَّسناس إلى "چيتو". أو قرأت لدى "بيني موريس"عن تصدِّيك لتهجير قرية المجدل وقرأت لـ"يئير بويمل" عن موقفك في أيار 58 في أم الفحم.. وعندما سألتك عن رئيف خوري وعبد الله البندك ومدرسة "جوبات" والعدد الرابع من مجلة "الغد" الأحبّ إلى قلبك، انتشيتَ.. كم كنتَ سعيدًا وكم تحدّثتَ في ذلك اليوم؟!.. وعندما سألتك: كيف لتوفيق طوبي الرصين والوقور أن يُلقي الحجارة والبندورة على طلاب مدرسة تيراسانطةَ؟ أجبت بجزالة: لأنهم رفضوا المشاركة في المظاهرة، ولأنني لم أبلغ الثامنة عشرة بعد.. وعندما أخبرتك بأنني قرأت مقالا لك في "الاتحاد" رويت فيه عن لقائك ستالين وهو واقف على منصة الخطابة عن بُعد مائة متر، وأنك وضعت سمّاعة الترجمة في أذن واحدة، فقط؛ لتترك الأخرى تلتقط نبرات صوته.. اتسعت ابتسامتك ملء وجهك، وقلتَ إنه منقذ البشرية في ستالينچراد - الحدث المؤسّس في حياتك، وأردفت: ثم إن المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوڤييتي الذي كشف التجاوزات لمّا يُعقد... وكنت تقرأ شعرًا للجواهري، وتعود لتدندن بيتا خصّ فيه ستالينچراد:
"وانبرى التاريخُ في حَيْرَتِه أَأَمامًا يتخطّى أم وراءَ"
* * *
لم يكن (دانكو) الذي انتزع قلبه ليُنير الغابة نموذجًا لتوفيق طوبي، فطوبي، مهندس العمل الجماعي، كان نهجه ملازمًا للقانون الثالث في الديالكتيك؛ فالتغيرات الكمية المتتابعة ستقود إلى تغيرات نوعية؛ كان طوبي بطل عدو المسافات الطويلة، وبعد طول تشييد اكتسى العظم لحما واستبدل شعبنا نفسية النكبة بروح المواجهة، ورفع أبجدية البقاء إلى أسئلة المواطنة، وخاطب العنصريين لأنه "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى"، و"لأنه خيرٌ للضحية أن تعلّم جلادها من أن تتعلم منه".
* * *
ليس صدفة أن تهيمن الرؤية الحضارية عقودًا على جماهيرنا، وأن نتشبّث، اليوم، بأطراف أصابعنا بالموقف التقدمي في مواجهة سيل البترو - دولار الخليجي الذي جرف شرائح أخرى، فهل صدفة أن كان نشاطك الميداني الأخير هو المشاركة في مظاهرة الألوف في حيفا ضد الطائفية ومن أجلِ الوحدة الوطنية.. فهل كانت مظاهرة الوداع؟! نعم! لقد بلّغت، ثمّ عدت إلى نافذة بيتك المطلة على وادي النَّسناس.
* * *
عندي المزيد لأني أعرف أنك تختزل مسيرة شعب، ولكنني أكتفي بهذا؛ لأن اختزال مسيرتك بخطابات تأبين يعني أن نوزّع النهر في أقداح...
وأعزُّ ما يبقى ودادٌ دائمٌ إنّ المناصب لا تدوم طويلا.
هو الوُدُّ.. وهو الوفاءُ.. وهو التقديرُ.. وهو العهدُ.. يا أبا إلياس..
