* "تقبّل الآخر وبناء جسور التواصل مع الآخر من اجل خلق الارضية المناسبة لافشال سياسات معاداة العرب *
ألمجتمع المتطور وصاحب القوة في عصرنا الحالي هو ذلك المجتمع الذي يمتلك القوة الاقتصادية القائمة على التطور العلمي والتكنولوجي والمعلوماتي كبنية تحتية للمجتمع، ومن خلال ذلك وبعلاقة جدلية يمتلك القوة في البناء الفوقي للمجتمع، ونعني بذلك القوة السياسية والثقافية والحضارية والقوة العسكرية، وهذه القوة وخاصة في امريكا تستغل استراتيجيا من اجل فرض الهيمنة الامريكية على العالم وخاصة على المجتمعات الفقيرة في امريكا اللاتينية، افريقيا وآسيا وبما في ذلك المجتمعات الاسلامية وغير الاسلامية فاقدة القوة الاقتصادية، وكنتيجة لذلك فاقدة قدرتها على التأثير السياسي والحضاري والثقافي المؤثر على الساحة الدولية او في منطقة الشرق الاوسط، حيث خلت الساحة لاسرائيل وامريكا لكي تلعبا الدور الاساسي والحاسم في علاج قضايا المنطقة من منطلق الحفاظ على المصالح الامريكية والاسرائيلية، وفرض الهيمنة الامريكية على المنطقة. وابرز شاهد على ذلك في الفترة الاخيرة ليس فقط استمرار احتلال العراق، بل ايضا وضع واقامة قواعد للصواريخ الامريكية في اربع دول عربية في الخليج العربي "لا بل الامريكي" حماية لسياسات اسرائيل الرافضة لاستحقاقات السلام العادل والدائم في المنطقة، والرافضة للقرارات الدولية بخصوص القضية الفلسطينية منذ قرار التقسيم والذي اشترط الاعتراف باسرائيل، بقيام الدولة الفلسطينية ورفض اسرائيل لقرار 194 من عام 1949، والذي طالب اسرائيل بالسماح بعودة اللاجئين.
ومن الجدير ذكره بان هذا القرار أي قرار المطالبة بعودة اللاجئين، لقي التأييد الامريكي في البداية ولكن بعد ذلك تراجعت امريكا عن ذلك، وهذا يذكرنا بموقف الولايات المتحدة الآن والذي طالب اسرائيل في البداية بوقف الاستيطان، كأحد التزامات اسرائيل منذ اتفاقية اوسلو ولكن بعد ذلك تراجعت الولايات المتحدة عن هذا الموقف، والآن تطالب الشعب الفلسطيني وقيادته القبول بالوقف المحدود الجزئي الديماغوغي، لا بل الموهوم، بوقف الاستيطان والعودة الى طاولة المفاوضات. وباعتقادنا اذا استمرت السياسة الاسرائيلية، وبدعم امريكي باقامة المستوطنات ستكون النتيجة اقامة دولة فلسطينية، اشبه بكنتونات الهنود الحمر في امريكا نفسها تحيطها اسرائيل من الغرب، ومن الشرق انظمة الاستبداد العربي والتي تأتمر وتنفذ السياسة الامريكية الاسرائيلية في المنطقة.
لا شك بان هذا الواقع المأساوي لعالمنا العربي عامة والفلسطيني خاصة بعد الانقسام، وفي ظل غياب القوة العربية، ومع استمرار سياسات العدوان والغطرسة والقوة الاسرائيلية، خلقت حركات ترفع مختلف الشعارات والمزايدات بكل اصنافها ومنها مفاهيم الجهاد، واقامة الدولة الاسلامية او رفع شعار تحرير كامل التراب الفلسطيني، وهذه المفاهيم تغذي وتؤدي وخاصة في اجواء اليأس والاحباط وعدم المقدرة على تحليل الوضع القائم، ووضع برنامج عملي علمي جدلي يعتمد على تبني مشروع النضال الجماهيري الشعبي الواسع والمثابر والمقاوم، وطرح ويطرح اهدافا واضحة يمكن تحقيقها، الى انتاج مفاهيم العنف الفردي والذي هو تعبير واقعي وموضوعي، الذي هو غير القوة. خصوصا وان هذه الاعمال الفردية ومنها اطلاق صواريخ طائشة هنا وهناك تُتخذ ذريعة للاقوياء وخاصة اسرائيل وامريكا لمزيد من العدوان والتوسع الكولونيالي، ورفض شروط السلام العادل واضعاف فاقدي القوة الحقيقية كما يحدث في المناطق الفلسطينية المحتلة من خلال استمرار الحصار، من جانب اسرائيل، وبناء الجدار الفولاذي من قبل مصر "العروبة".
ومن الملاحظ ان كل الاطراف وخاصة الطرف الامريكي الاسرائيلي لم تلتزم بمبادئ الحوار الحضاري، ونهج ولغة السلام، وبناء جسور التواصل مع الآخر، وكأننا اصبحنا في الواقع كما كتب "نيتشه" في كتابه: هكذا قال زرادشت: "كل شعب يتحدث لغته في الخير والشر التي يفهمها جيرانه" لا يكفي ان نرفع شعار معاداة الغرب، بل يجب ان نؤكد ونطرح شعارا واضحا جدليا موضوعيا علميا حضاريا باننا نعادي سياسات الطبقة الحاكمة الرأسمالية المهيمنة في الغرب وفي اسرائيل، ولكننا لا نعادي شعوب الغرب والشعب الاسرائيلي كشعب، بل يجب ان نقولها وبصوت عال ٍ بأننا مع التعايش مع الشعوب الاخرى، من منطلق الاحترام المتبادل والحوار الحضاري وبناء جسور التواصل، ومن خلال طرح القضايا العادلة للشعوب المضطهدة وخاصة الشعب العربي الفلسطيني، فلا يعقل ان اطالب اوروبا بقبول المهاجرين واللاجئين العرب وغير العرب المسلمين وغير المسلمين، وامارس الفتنة الطائفية ان كان في العراق او مصر او لبنان اوهنا في داخل اسرائيل نطالب بالمساواة في الحقوق في اوروبا ونرفع شعار ومفاهيم "اهل الذمة" في بلادنا، تقام مراكز الدعوة في اوروبا ونقيم الدنيا ونقعدها اذا سمعنا بمبشر بديانات اخرى، زرادشتية، بوذية، مسيحية في بلادنا. نطالب ببناء المساجد في اوروبا ونرفض بناء اماكن العبادة لابناء الديانات الاخرى في بلادنا كما يحدث في مصر الآن.
نطالب باحترام حقوق الاقليات ونمارس شتى اساليب تضييق الخناق تجاه الاقليات في بلادنا، وخاصة "المسيحية" مما خلق ارضية واسبابا ادت الى ازدياد نسبة هجرة المسيحيين من الشرق، ومثال على ذلك العراق ومصر وفلسطين.
وبرأيي ما يبتغيه الغرب الرسمي والطبقة الرأسمالية المسيطرة في الغرب هو تفكيك مجتمعاتنا الى طوائف وقبائل وحمائل وافخاذ وبطون، ومن خلال ذلك تفريغ الشرق الاوسط من الوجود المسيحي وفي هذه الجريمة هناك شركاء مضللون او مرتزقة من ابناء جلدتنا، وهذا الواقع المأساوي المرضي الممزق لمجتمعاتنا الضعيفة والمستضعفة يستغلها الغرب الامبريالي من اجل تمرير سياسات الهيمنة والسيطرة على المنطقة.
نحن على يقين بان الغرب الامبريالي وخاصة امريكا واسرائيل يمارس سياسة الكيل بمكيالين، ولكن ان نمارس نحن هذه السياسة سياسة الكيل بمكيالين تجاه انفسنا وشعوبنا وقضايانا ومصيرنا المشترك، فهذا امر لا يعقل بل جريمة ترتكب تجاه شعوبنا وقضاياها العادلة ومستقبلها.
علينا ان نحصن هويتنا الجماعية، من خلال رفض كل تصنيف قبلي او طائفي او عائلي ومن خلال تقبل الآخر وبناء جسور التواصل والحوار الحضاري مع الشعوب الاخرى، وهذا يخلق الارضية المناسبة لافشال سياسات معاداة العرب والسياسات العنصرية ومعاداة الاسلام والاسلامافوبيا (أي الخوف من الاسلام).
وما مشاركة الرفيق محمد بركة في إحياء ذكرى تحرير معسكر اوشفيتس من قبل الجيش الاحمر (وليس كما تكتب صحف البلاط الرسمي الاسرائيلي من قبل الحلفاء) لهي اكبر تحدٍّ حضاري تواصلي انساني تقوم بها الضحية امام جلادها، تظهر قمة التعامل والتعاضد والتواصل مع معاناة الآخر، طارحا من منطلق تقدمي انساني حضاري قومي – اممي، اممي - قومي لقضيته العادلة ونكبته كمهجر وابن بار للشعب العربي الفلسطيني.
وفي النهاية، فالثقافة السائدة في الغرب وفي اسرائيل والتي تعكس مصالح طبقة رأس المال العسكري والمالي، لا تتعامل مع وقائع عالمنا المعاصر، الا من منظور مصلحة هذه الطبقة وعلى حساب شعوب الدول النامية والفقيرة وعلى رأسها الشعوب العربية. فالاهتمام الامريكي الاسرائيلي الرسمي بالدين الاسلامي ومن خلال عملية تشويه مدروسة ومبرمجة تهدف الى خلق عدو عالمي جديد، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، الا وهو الدين الاسلامي، وهذا يرجع الى مصالح وعوامل سياسية واقتصادية لا علاقة لها بالدين.
